فهرس الكتاب
فلا يصح لقائل أن يقول أنه يجب الابتعاد في الدعوة إلى الله (سبحانه) عن كل ما من شأنه أن يجر على الداعية الأذى والمحن!، إن صاحب هذا القول قد نسي أو تناسى سنة الله (عز وجل) في الصراع بين الحق والباطل، وسنته (سبحانه) في الابتلاء والتمحيص؛ قال (تعالى) : (( ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله، ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم، أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين* وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين ) ) [العنكبوت:10،11] .
نعم إن من بيننا من يريد المغنم من الدعوة ولا يريد المغرم، بدليل عدم الإعداد والاستعداد لأي أذى يعترضه في الطريق ـ ولو كان قليلًا ـ، وإنما مادام الأمن والسلامة والراحة فهو نشيط ومتحرك، فإذا ظهرت المحن وبدايات الابتلاء والتمحيص آثر السلامة والراحة، وعلل ذلك بالابتعاد عن الفتن ودرء المفاسد.
ولا يعني ما سبق من الكلام أن يبحث الداعية عن الأذى والابتلاء، كلا، فالمطلوب سؤال الله العافية وعدم تمني البلاء، كما لا يفهم منه أيضًا الدعوة إلى التهور والطيش ـ معاذ الله ـ، فلابد من وجود المنطلقات الشرعية في كل التصرفات، لكن المراد أن لا نغفل عن سنة الله (سبحانه) في ابتلاء المؤمنين، وأن نوطن أنفسنا على هذه الأمور، لأنه لابد منها لكل من ادعى الإيمان وتصدّر للدعوة والجهاد، ولابد منها ليتميز الخبيث من الطيب، ولابد منها لتمحيص القلوب والصفوف، ولو قلبنا تاريخ الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) ، وتاريخ الدعاة والمصلحين لرأينا ذلك المعلَم ظاهرًا وقاسمًا مشتركًا عندهم جميعًا.