إن الحاجة للتعبد لله قائمة في كل وقت، وأشد ما تكون في الأزمات والمحن، حيث يصاب الناس بالقلق، والاضطراب والخوف من المستقبل، والفزع من المجهول، والتوجس من الأحداث، فلا يملأ أرواحهم سكينة وطمأنينة كالعبادة، ومع ذلك فإن العبادة الخاشعة الخالصة التي تتحقق فيها خصال العبودية تمنح المؤمن قلبًا ثابتًا وعقلًا متزنًا ورأيًا ثاقبًا يرى الأمور بعين البصيرة، فتمنحه التوازن المطلوب في مواجهة الأحداث، فيسير بخطى ثابتة، ويؤدي دوره في نصرة الحق بمنطلقات واثقة، يحتسب فيها خطواته، ويغتنم فيها أوقاته، قال الله ـ تعالى ـ: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [هود: 123] . ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «العبادة في الهَرْج كهجرة إليّ» (1) . إنه تشبيه بليغ، حيث يناسب حال الغافل عن العبادة المصاب بالوهن، وضعف الهمة، وفقدان لذة العبادة حال من لم يهاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم . ويناسب حال المتعلق بالعبادة المتلذذ بها، المتمسك بهدي النبي صلى الله عليه وسلم ؛ حال المهاجر إليه الذي يعيش معه، ويقتدي به، ويأنس بالقرب منه.
? العبادة في الهَرْج والفتن:
ومن أجل استظهار أوجه العمل بالحديث السابق؛ فإن العبادة في الهَرْج تكون على ثلاث مراتب: