إن مما ينافي حقيقة التوكل: الخوف من المخلوق خوفًا يدفع إلى ترك ما يجب أو فعل ما يحرم ، محاباة للمخلوق أو خوفًا من شره ، ومثل ذلك يكون أيضًا في الطمع والرغبة ، فالطمع في نفع المخلوق أو الخوف من شرِّه إذا أدى إلى ضعف التعلق بالله (عز وجل) وضعف الثقة به (سبحانه) ؛ فإن هذا يقدح في التوكل ، ويضعفه ـ إن لم يذهبه ـ ، ومن تعلق بشيء وُكِلَ إليه ، ومن وكل إلى غير الله (عز وجل) ضاع وهلك ، وخاب وخسر.. ومما يصلح التمثيل به في عصرنا اليوم على هذا الضعف: ما يعتري بعض الدعاة وهو في دعوته إلى الله (عز وجل) من خوف على نفسه أو رزقه أو منصبه ، الأمر الذي يؤدي ببعضهم إلى ترك ما هم عليه من تعليم للعلم أو دعوة إلى الله (عز وجل) ، والإحجام عن مجالات الخير ونفع الناس ، بحجة الحذر والبعد عن الفتن.. والله (سبحانه) أعلم بما في قلوب العالمين. ثم إنه لو كان يغلب على الظن حصول الأذى والابتلاء لكان لذلك بعض الوجه في الأخذ بالرخصة وترك العزيمة ، أما وأن الأمر على العكس من ذلك ؛ حيث يغلب على الظن عدم التعرض للأذى ، فإنه لا تفسير لهذه المواقف إلا ضعف التوكل على الله (عز وجل) ، والوسوسة الشديدة ، والمبالغة في الخوف ، والحذر الزائد من المخلوق الضعيف ، وتهويل أمره ، وهذا من كيد الشيطان ووسوسته ، وكأننا لم نسمع ولم نعِ قوله (تعالى) : (( إنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) ) [آل عمران: 175] .