فالدائرة الأولى: تشمل سلسلة لا تنتهي من الترتيبات الكونية جعلت حياتنا على هذا الكوكب ممكنة، وقد عرف الإنسان اليوم ما لم يكن يعرفه أسلافه عن هذه الترتيبات، وعرف من دقتها أن أي خلل يقع في واحد منها يجعل الحياة على الأرض مستحيلة.. وعلى سبيل المثال: لو كانت الأرض أقرب إلى الشمس مما هي عليه الآن لكانت كالكواكب القريبة منها كوكبًا ملتهبًا وساخنًا تصل حرارته إلى بضع مئات، ولو كان القمر أقرب إلى الأرض منه الآن لارتفع المد في البحار إلى الدرجة التي تغرق فيها المناطق الساحلية المأهولة، وإذا زاد المد أزالت الأمواج أعلى قمم الجبال في أيام، ولو لم يكن للأرض غلاف هوائي لم يمكن وجود حياة، ولو لم يكن فيها ماء لم يظهر كائن حي واحد، ولو لم تكن تدور على نفسها وحول الشمس لم يمكن بقاؤها في مدارها، بل إن وقوفوها للحظة واحدة يعني اجتذاب الشمس لها وفناءها السريع بالاندماج مع هذا النجم المشتعل الذي يزود الأرض بحاجتها من الضوء وهو على بعد مئة وخمسين مليونًا من الكيلومترات.. والأمثلة لا تحصى.
والدائرة الثانية: تجمع النعم التي خص الله بها الإنسان من دون سائر الحيوانات التي تشاركه الحياة على الأرض، ومنها: أنه (سبحانه) خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وجعله عاقلًا ناطقًا، وسخر له ما في السموات والأرض، وأنزل إليه الكتب، وبعث إليه الرسل، ووعده على الإيمان والطاعة بالجنة.
فهذه الشمس، وهذا القمر، وهذه النجوم، والجبال، والبحار، والأنهار والأشجار، والدواب، والأنعام، والأسماك، والمعادن، والثمار..كلها سخرة له، يأكل، ويلبس، ويفترش، ويدخر، ويتنزه.. فتمت نعمة الله عليه بما أعطاه من قدرة على التسخير، وبما جعل في هذا الكون من استعداد للتسخير.