لعل من الثوابت التي أصبحت راسخة في وجداننا الحضاري وسلوكنا الفكري ـ نحن المسلمين ـ في العصر الحديث، وباتت تتحكم بقدر غير يسير في منهج دراستنا للظواهر، وتحليلنا لمختلف القضايا الفكرية والتربوية، لعل من تلك الثوابت: أن نعرض الأنساق والنظم الإسلامية المرتبطة بشتى مجالات النشاط النظري والفكري، في سياق المقارنة بينها وبين مثيلاتها في عالم الغرب، ولا شك أن هذا الثابت النسبي ستستمر مسوغاته وفعالية تأثيره على تحليلاتنا ودراستنا الفكرية والنظرية، ما دام هناك في واقعنا المعاصر فئات عريضة من الناس تنظر إلى الغرب على أنه مركز الحضارة والإشعاع الفكري المستنير الذي لا نملك إزاءه إلا أن نطأطئ رؤوسنا في خشوع! من هنا رأيتني أُقبل على دراسة موقف النظرية التربوية الغربية ومناقشتها في ضوء معالم التربية الإسلامية؛ بغرض إبراز التصور التربوي الإسلامي للتربية. والواقع: أن منهجية المقابلة هذه لا يمكن للتصور الإسلامي إلا أن يخرج منها منتصرًا مرفوع الرأس؛ لأنه ينطلق من موقع قوة يستمدها من ربانية مصدره التي تمنحه التنزه عن التجاوز والضعف، والاهتزاز والقصور، ولأن منهجية المقابلة تقتضي عرض الصورة كاملة أمام الناس ـ بكلا طرفيها ـ فيتضح الطرف الهزيل من الطرف القوي، من خلال إبراز العناصر والمكونات التي تدخل في نسيج كل بناء نظري على حدة.
النظرية التربوية عرض وتقديم:
هناك قواسم مشتركة بين النظريات التربوية الغربية تتمثل فيما يلي:
أولًا: الاعتماد المطلق على العقل:
منذ البداية يمكننا أن نلفت النظر إلى حقيقة أساس مفادها: أن النظريات الغربية على تعددها وتباينها في بعض الخصائص والصفات، تكاد يجمعها قاسم مشترك هو: كونها صادرة عن مصدر وحيد في المعرفة هو: العقل البشري في حركته ومعاناته وقلقه المأساوي في البحث عن الحقيقة، وكونها صادرة عن تصور واحد للكون والإنسان والحياة.