والجدير بالاعتبار أنه ما من نظرية في التربية إلا وهي انعكاس لمذهب فلسفي ما، وهذه قاعدة عامة لا يمكن أن يند عنها أي مذهب تربوي.
ولا تعدو الاختلافات التي تظهر بين نظرية وأخرى أن تكون تعبيرًا عن الاختلاف والتنوع في الملابسات والتطورات التاريخية التي مرت بها المجتمعات الغربية، بكل ما تحمله تلك التطورات من أبعاد سياسية واجتماعية واقتصادية وعلمية وغيرها.
ثانيًا: النظريات التربوية الغربية ضيقة الأفق أحادية النظرة:
فالنظرية التربوية المثالية هي صدى للفلسفة الأفلاطونية حيث يقول أفلاطون بعالمين: (العالم المحسوس) ويتألف من الأجسام أو الماديات، و (العالم المعقول) وهو يتكون من الموجودات المجردة (1) .
فتلك النظرية تنطلق أساسًا من (الصدارة المطلقة للروح على المادة) وهي تفضي إلى تصرف تأملي يهمل المشكلات الزمنية، وطبيعة الإنسان الأرضية، وتعنى أساسًا بكمال الروح ونجاتها.
وانطلاقًا من هذه المعطيات يتجلى لنا الطابع النظري الذي يكتسيه التعليم في إطار النظرية المثالية؛ حيث إن الهدف من التربية يرمي بالدرجة الأولى إلى (تمرس العقل بالتراث الفكري والعقلي الذي خلفته الأجيال السابقة، بل اكتسب هذا التراث صبغة القداسة وأصبح ينقل بحرفيته، وارتبطت موضوعات الدراسة بضرورات التراث بدلًا من ضرورات الواقع، وصارت صلتها الوثيقة بالماضي في تحوّل دون ارتباطها بالحاضر والمستقبل) (2) .
أما المذهب الطبيعي، فإنه على العكس من المذهب المثالي؛ إذ يركز على الجسد وما به من عواطف وغرائز وميول، فيعطيها الأهمية القصوى على حساب العقل.
وإن كان من المعلوم أن هذا المذهب قد تجاوز من طرف التيار النفسي في التربية الذي يستمد أسسه من رائد المذهب نفسه (روسو (، حيث يرى(بأن اللجوء إلى علم النفس هو الإمكانية الوحيدة لتوفير المعيار الحقيقي لموضوعية البيداغوجيا) (3) .