إن التأمل في واقع الإنسان يدلنا على قابليته للتطبع بعقائد البيئة التي تكتنفه في مراحله الأولى؛ مما يترتب عنه تشكّل عقليته ونظرته للحياة في قوالبها، كما يدلنا على حرص الآباء على أن يكون أبناؤهم على غرار النماذج المرضية عندهم المألوفة لديهم. في خضم هذا الوضع يعلن الإسلام عن مبدأ الفطرة التي تعني أن مصير الولد في عقيدته وأخلاقه كامن فيه وليس في المجتمع الذي يولد فيه و (هذا التركيز على ما أوجد في خلق الإنسان من قدرات ترشحه لحب الحق وللتوجه نحوه وبه، نَقَلَ مهمة التربية نقلًا جذريًا وغيّر غاياتها تغييرًا أساسًا، فبعد أن كانت مهمتها نَقْلَ ما توارثه الآباء والمجتمع صارت مهمتها توفير ما يلائم فطرة الإنسان من نمو عقلي وخلقي ووجداني، وصارت غايتها كمال هذه الفطرة، وبهذا الانتقال ارتقت التربية من ضيق وتعدد نسبية المجتمعات المختلفة إلى تربية عالمية ترتبط بحقيقة الإنسان أينما كان وفي أي عصر كان) (15) .
خلاصة واستنتاجات: يَتَبَينُ من المعطيات السابقة أن في الإسلام تصورًا يمتلك مقياسًا دقيقًا يُعْرَض عليه ما توصل إليه التراث الإنساني في المجال التربوي، يقبل منه ما يقبل مما هو داخل في نسيج الحقائق المعبرة عن واقع الإنسان، ويرفض منه ما يرفض مما لا تتوفر فيه شروط الصدق وموافقة قوانين الفطرة التي فطر الله الناس عليها؛ ومن هذا المنطلق: فإن التصور الإسلامي يتبنى بكل ثقة ما تتوصل إليه الإنسانية من كشوف متميزة ومناسبة في عالم التربية بما لا يناقض أسسها ومنطلقاتها معتبرًا إياها جزءًا من نسيجها الشامل على اعتبار أن في ذلك النسيج ما يدل دلالة واضحة عليها، ويهدي إليها.
الهوامش:
(1) سعد بن عبد الله، أصول التربية الإسلامية، ص 40.
(2) أحمد علي الفنيش، أصول التربية، ص 29، 30، الدار العربية للكتاب، ليبيا، تونس.
(3) محاضرات الأستاذ الدباجي في علوم التربية، المركز الوطني لتكوين المفتشين لسنة 1987م، 1988م.