ولو جاز لامرئ أن يُقيم حركة حياته على الأخذ بالرّخَص، للزم أرباب المسؤوليات الكبرى ـ والمعلمُ منهم ـ أن يقيموها على العزائم، والأمة المسلمة هي أمة جهاد واجتهاد على كل حال؛ وهذا المعنى جليّ في قوله ـ تعالى ـ: (( يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) ) [آل عمران: 200] . فهل صبر المعلم وصابر؟ وهل بذل وسعه، وأدّى ما عليه من حقّ الجهاد والاجتهاد؟ ما بال أكثر أبناء المسلمين ـ إذًا ـ يتأسّوْن بـ (نجوم الفنّ) و (أبطال الكرة) ، ويلتمسون المجد في ملاعب الرياضة ودور الأزياء ومعاهد التمثيل؟! بل ما بال الأمة عامة تستبدل بالأعمال الجليلة ألفاظًا طنانة، وبالمبادئ العظيمة شعارات تافهة، وبالجهاد في سبيل الله أشكالًا عقيمة من الشجب والنّدب والتنديد والاحتجاج؟!
لقد سقط المعلم ـ إلا من رحم الله ـ في مستنقع الواقع، وأصبح قانعًا بشرح ما بين يديه من معلومات ـ أيًّا ما كانت ـ مكتفيًا بحشو رؤوس تلاميذه بها دون أدنى اهتمام ببناء الشخصية المسلمة، القادرة على التأثير والتغيير، وهكذا اتّخذت المظاهر الجوفاء أربابًا تُعبد من دون الله، وتَحَوّل أكثر طلبة العلم إلى (مرتزقة) ، لا يرون فيه إلا سببًا لكسب الرزق، أو سبيلًا إلى تحقيق الوجاهة الاجتماعية، ونسي الطالب والمعلم كلاهما أنّ العلم لا يُطلب في شرعة الإسلام إلا للعمل، وأنّ كلًا ـ من العلم والعمل ـ عبادة يبتغى بها وجه الله والدار الآخرة، وأنّ الأجيال التي تتخرج في المدارس والجامعات وهي لا تعرف معروفًا، ولا تنكر منكرًا ـ إلا ما أُشربتْ من هواها ـ ليست من العلم على شيء.