ومن الثابت قطعًا أنّ الله ـ تعالى ـ لم يكلّف نفسًا إلا وسعها، ولم يأمرها إلا بما تستطيع؛ ولكن الوُسْعَ في قوله ـ تعالى ـ: (( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وسْعَهَا ) ) [البقرة: 286] ، والاستطاعة في قوله ـ عز وجل ـ: (( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) ) [التغابن: 16] لا يدل أيّ منهما على تكليف الفرد أو الجماعة ببذل أدنى الجهد؛ بل كلاهما دليل على التكليف ببذل أعظم الجهد، وهذا ظاهر في كلمة (( وسْعَهَا ) ). قال الرازي: [والوُسْع والسّعة بالفتح الجدة والطاقة، وأَوْسَع الرجل صار ذا سَعَة وغنى ومنه قوله ـ تعالى ـ: (( وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإنَّا لَمُوسِعُونَ ) )[الذاريات: 47] أي أغنياء قادرون، والتوسيع خلاف التضييق..] (4) ، وقال صاحب الظلال في تفسير قوله ـ تعالى ـ: (( وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ) ) [الأنفال: 60] فهي حدود الطاقة إلى أقصاها بحيث لا تقعد العصبة المسلمة عن سبب من أسباب القوة يدخل في طاقتها) (5) ؛ ولذا كان المسلم بعشرة من الكفار في حال قوته، وباثنيْن منهم في حال ضعفه كما نص على ذلك قوله ـ تعالى ـ: (( إن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ(65) الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ )) [الأنفال: 65، 66] .