وقال: أنا لا أشك أن لي ربًا يغفر الذنب ويأخذ به. وهذا الضرب من الناس قد تعلق بنصوص من الرجاء واتكل عليها، تعلق بها بكلتا يديه، وإذا عوتب على الخطايا والانهماك فيها سرد لك ما يحفظه من سعة رحمة الله ومغفرته ونصوص الرجاء، وللجهال من هذا الضرب من الناس في هذا الباب غرائب وعجائب كقول بعضهم:
وكثّر ما استطعت من الخطايا إذا كان القدوم على كريم
وقول بعضهم: التنزه من الذنوب جهل بسعة عفو الله، وقال الآخر: ترك الذنوب جراءة على مغفرة الله واستصغار لها، وقال محمد بن حزم: رأيت من بعض هؤلاء من يقول في دعائه: (اللهم إني أعوذ بك من العصمة) ثم ذكر ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ من هؤلاء المغرورين من يتعلق بمسألة الجبر (29) ، والإرجاء (30) أو يغتر بمحبة الفقراء والمشايخ والصالحين أو آبائه وأسلافه، أو يغتر بأن الله ـ عز وجل ـ غني عن عذابه ـ إلى غير ذلك في كلام طويل قيّم يحسن الرجوع إليه حتى قال ـ رحمه الله ـ تعالى ـ: (ومثال اتكال بعضهم على قوله -صلى الله عليه وسلم- حاكيًا عن ربه: (أنا عند حسن ظن عبدي فليظن بي ما شاء(31) ، يعني ما كان في ظنه فأنا فاعله به، ولا ريب أن حسن الظن إنما يكون مع الإحسان؛ فإن المحسن أحسن الظن بربه أن يجازيه على إحسانه، وأن لا يخلف وعده، وأن يقبل توبته، وأما المسيء المصرّ على الكبائر والظلم والمخالفات؛ فإن وحشة المعاصي والظلم والحرام تمنعه من حسن الظن بربه) ثم قال أيضًا ـ مفرقًا بين حسن الظن بالله والغرور ـ: (وقد تبين الفرق بين حسن الظن والغرور وأن حسن الظن إن حَمَل على العمل وحث عليه، وساعده وساق إليه فهو صحيح، وإن دعا إلى البطالة والانهماك في المعاصي فهو غرور) .
فعلى المؤمن مع إحسانه الظن بربه ألا يغفل عن محاسبة الله ـ سبحانه ـ لعباده بعدله وحكمته ومجازاته لهم بما كانوا يعملون حتى لا يقع في الغرور فيوبق نفسه.
خامسًا: التحذير من سوء الظن بالله ـ تعالى ـ: