ولئن سمح القابسي للمعلم بمعاقبة التلاميذ بهذا القدر من الضرب إلا أنه علّق ذلك على مدى استئهال التلميذ لذلك، وقيّده بثلاثة، واشترط في تجاوز الثلاثة إلى العشرة مشورة أبي الصبي أو ولي أمره ومدى احتمال الصبي للضرب فوق الثلاثة إذا استأهل ذلك، وألا يتعدى أثر الضرب الألم إلى التأثير المشنع أو الوهن المُضِر. وعلى الجملة: فالمعلم عنده عوض عن الأب بالنسبة للصبيان (فهو المأخوذ بأدبهم، والناظر في زجرهم عما لا يَصْلح لهم، والقائم بإكرامهم على مثل منافعهم؛ فهو يسوسهم في كل ذلك بما ينفعهم، ولا يخرجهم ذلك من حسن رِفْقه بهم، ولا من رحمته إياهم؛ فإنما هو لهم عوض من آبائهم) (6) ويعلل القابسي ذلك بقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به) (7) ، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله يحب الرفق في الأمر كله) (8) .
وقد تحدث ابن الجزار القيرواني الطبيب عن الفرق بين الصبيان في مدى قبولهم للأدب؛ إذ منهم من يتقبل الأدب قبولًا سهلًا، ومنهم من لا يقبل ذلك، ومنهم من إذا مُدِحَ تعلم علمًا كثيرًا، ومنهم من يتعلم إذا عاقبه المعلم ووبخه، ومنهم من لا يتعلم إلا إذا استعملت معه أساليب أشد تعنيفًا كالضرب مثلًا. ولذلك قرر ابن الجزار مراعاة هذه الفروق الفردية، واتباع الأسلوب المناسب لتأديب كل صبي بما يناسبه من الأساليب؛ حيث قال: (فأما إذا كان الصبي طبيعته جيدة، أعني: أن يكون مطبوعًا على الحياء وحب الكرامة والألفة محبًا للصدق؛ فإن تأديبه يكون سهلًا، وذلك أن المدح والذم يبلغان منه عند الإحسان أو الإساءة ما لا تبلغه العقوبة من غيره، فإن كان الصبي قليل الحياء، مستخفًا للكرامة، قليل الألفة، محبًا للكذب، عسرًا تأديبًا، ولا بد لمن كان كذلك من إرهاب وتخويف عند الإساءة، ثم يحقق ذلك بالضرب إذا لم ينجح التخويف(9) .