فهرس الكتاب

الصفحة 558 من 1113

ومما سبق يتضح أن المربين المسلمين الأوائل وإن أقرّوا بدور العقاب في التربية إلا أنهم جعلوه من باب: (آخر العلاج الكي) بحيث لا يلجأ إليه المربي إلا عند الضرورة القصوى، وضمن حدود معينة، وشروط محددة؛ فهم قد فاضلوا بين الأساليب التربوية على النحو الآتي:

1-المدح والثناء والترغيب:

اعتبر التربويون المسلمون الأوائل الثواب والمدح والثناء الأسلوب الأمثل، والحافز الأقوى للتعلم، ولذلك طالبوا المعلم بالمبادرة به قبل غيره، وأن لا يلجأ إلى غيره إلا لحاجة ملحّة قد تفرضها طبيعة الصبي كأن يكون الصبي قليل الحياء مستخفًّا بالكرامة، قليل الألفة محبًا للكذب. وفي ذلك يقول أبو الحسن القابسي: (وإذا هو أحسن يغبطه بإحسانه من غير انبساط إليه ولا منافرة له ليعرف وجه الحسن من القبيح فيتدرج على اختيار الحسن) (15) .

وفي ذلك أيضًا يقول الغزالي: (ثم مهما ظهر من الصبي خلق جميل، وفعل محمود فينبغي أن يكرم عليه ويجازى عليه بما يفرح به ويمدح بين أظهر الناس) (16) .

وقد مر معنا وصية ابن سحنون لمؤدب ولده: (ولا تؤدبه إلا بالمدح ولطيف الكلام) (17) .

كذلك أوصى ابن جماعة المعلم بشكر التلميذ إذا أصاب الجواب ومدحه والثناء عليه، فقال: (فمن رآه مصيبًا في الجواب، ولم يخف عليه شدة الإعجاب شكره وأثنى عليه بين أصحابه ليبعثه وإياهم على الاجتهاد في طلب الازدياد) (18) . وقد كان المربون الأوائل يتحينون الفرص لتشجيع الأولاد وحثهم على المنافسة النزيهة في العلم وتحصيله. قال ابن سحنون في حث المعلم على ذلك: (وينبغي أن يجعل لهم وقتًا يعلمهم فيه الكتاب ويجعلهم يتجاوزون؛ لأن ذلك مما يصلحهم ويخرجهم، ويبيح لهم أدب بعضهم بعضًا) (19) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت