ينطلق ابن حزم ـ رحمه الله ـ في تعريف النبوغ والتفوق من منظورين. أولهما: تجلية مفردات الإبداع ومهاراته ومتطلباته (المادية) .. والثاني: الأخذ بمعايير الفضيلة والأخلاق اللازمة لتكوين المبدع وصياغة فكره واتجاهاته، ويرى أن تمثّل (القدوة) لمبدع في فن بذاته، أو إطلاق صفة (النبوغ) في القيادة وغيرها لا بد أن تكون وفق الموازنة بين هذين المنظورين معًا؛ بل إنه يرى ـ رحمه الله ـ أن كفة الأخلاق والفضيلة لا بد أن تنال قسطًا أكبر من اهتمام المبدع ومن تفكيره. ولذا؛ فإن معيار الحكم بالنجاح أو الإخفاق لمبدع أو آخر يعود ـ بدرجة كبيرة ـ إلى نسبة المحتوى الأخلاقي والتربوي في سيرته الذاتية.. فالنبوغ والإبداع ـ من منظور ابن حزم التربوي ـ لا يعود بالدرجة الأولى إلى تلك المهارات المكتسبة التي ربما شاركه فيها غيره من البشر، أو في تلك القدرات التي ربما شاركه فيها الحيوانات والعجماوات. ولذا يقول ـ رحمه الله ـ: (فالعاقل لا يغتبط بصفة يفوقه فيها سبع أو بهيمة أو جماد، وإنما يغتبط بتقدمه في الفضيلة التي أبانه الله بها عن السباع والبهائم والجمادات.. وهي التمييز الذي يشارك فيه الملائكة. فمن سُرّ بشجاعته التي يضعها في غير موضعها لله ـ عز وجل ـ فليعلم أن النمر أجرأ منه، وأن الأسد والذئب أشجع منه، ومن سُرّ بقوة جسمه فليعلم أن البغل والثور والفيل أقوى منه جسمًا، ومن سُرّ بحمله الأثقال فيلعلم أن الحمار أحمل منه، ومن سُرّ بسرعة عدوه فليعلم أن الكلب والأرنب أسرع عدوًا منه، ومن سُرّ بحسن صوته فليعلم أن كثيرًا من الطير أحسن صوتًا منه، وأن أصوات المزامير ألذ وأطرب من صوته(3) ، فأي فخر وأي سرور فيما تكون فيه البهائم متقدمة عليه؟ لكن من قوي تمييزه، واتسع علمه، وحسن عمله فليغتبط بذلك؛ فإنه لا يتقدمه في هذه الوجوه إلا الملائكة وخيار الناس) (4) .
صلاح العمل: