فهرس الكتاب

الصفحة 586 من 1113

ما أعنيه هنا هو إهمال المرء تربية نفسه ببلوغه مرحلة من العمر؛ فقد يعتقد بعضنا أن كبر سنه يغنيه عن التربية الفردية لنفسه، أو أن ممارسته لنشاط دعوي يغنيه عن الانتباه لنفسه، وهذا مزلق خطير؛ ففاقد الشيء لا يعطيه، والداعية في مقام القدوة دائمًا فلا بد من أسلوب التربية الذاتية، والحرص على بناء الإيمان، وتعهد القلب بالصلاح وإنماء الورع، حتى لا نكون مثل الشمعة تحترق وغيرنا يتمتع بالإضاءة.

الوقفة السادسة: ميراث الأنبياء!

مع أهمية ما أسلفت من دعوة إلى الله ـ عز وجل ـ وعبادة صالحة له، إلا أنها قد تكون وبالًا على صاحبها إذا خلت من أساسها المتين ومادتها الأصيلة وهي العلم الشرعي، قال الله ـ تعالى ـ: (( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على"بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ) ) [يوسف: 108] ."

إن كل دعوة ـ مهما بلغت من نشاط ـ هي دعوة جوفاء إذا خلت من العلم الشرعي الرصين، بل ربما تكون دعوة إلى الجهل، وما نشأت الجماعات الضالة إلا بسبب الدعوة المفرَّغة من العلم الصحيح.

وكل عبادة على غير هدي النبوة ـ مهما بلغت من كثرة ـ هي نقص وخلل وخاصة إذا خلت من العلم الشرعي، وما نشأت فرق الزهاد الضالة إلا بسبب الجهل العريض الذي اكتنف تلك الفرق.

إن في العلم حياة لا يعرف قدرها إلا من ذاق حلاوتها، واستطعم لذتها، وما أحسب أن هناك صفوة في أي مجتمع إلا وكان أهل العلم هم روادها، (( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) ) [ فاطر: 28] .

الوقفة السابعة: إخلاص يحتاج إلى إخلاص:

يقول الله ـ عز وجل ـ: (( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) ) [الملك: 2] لقد جعل الله ـ عز وجل ـ أساس التفاضل هنا الحسن، ولم يجعله الكثرة؛ فالمسألة ليست مسألة كثرة، بل هي نوع وجنس صالح.

وأكمل ما يعين على تحسين العمل ووصفه بالحسن:"إخلاص العمل لله ـ عز وجل ـ"بل هو مادة العمل الحقيقية، ومن غيره فوجود العمل وعدمه سواء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت