فهرس الكتاب

الصفحة 637 من 1113

ـ وعلى هذا؛ فحين يختلف الحال ويظهر التقصير من المربي ولو تكلف إظهار نفسه بالمظهر الحسن؛ فإن لغة الإيحاء أو الرسائل الخفية ستوصل غير ما يقال وتؤكد غير ما يُنفى،(كيف نطمع في دعوة الناس إذا كنا نحن ـ الدعاة ـ غير مطبقين له في ذواتنا؟ كيف ندعو الناس إلى أخلاقيات لا إله إلا الله إذا كنا نحن أنفسنا غير متخلقين بها؟ كيف ندعوهم إلى الثبات إذا كنا نحن لا نثبت؟ وكيف ندعوهم إلى الصدق إذا سوغنا لأنفسنا أن نكذب؟ كيف ندعوهم إلى التجرد لله إذا كانت ذواتنا هي محور تحركنا؟ ومصالحنا الذاتية هي التي تحدد مواقفنا وأعمالنا؟... {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2 - 3] . كبر مقتًا لأنه يكون صدًّا عن سبيل الله؛ بدلًا من أن يكون دعوة إلى الله! والشاعر يقول:

ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تُعلمِ!

نستطيع أن نخفي حقيقة أنفسنا في خطبة حماسية بليغة، أو موعظة مؤثرة، أو محاضرة قيمة، أو كتاب نؤلفه؛ ولكن الدعوة ليست خطبًا ولا مواعظ ولا محاضرات ولا كتبًا ـ وإن كانت كلها أدوات نافعة مطلوبة للدعوة ـ إنما الدعوة قدوة وصحبة وتربية.. هكذا علمنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهكذا ينبغي أن يكون فهمنا لحقيقة الدعوة.

وفي الصحبة الطويلة التي تقتضيها عملية الدعوة ـ أي تقتضيها عملية التربية ـ يستحيل علينا أن نخفي حقيقة أنفسنا، ولا بد أن «ننكشف» أمام الذين يتلقون منا؛ فكيف إذا اكتشفوا ذات يوم أننا كنا «نخدعهم» ؟! أننا كنا نحدثهم بمعانٍ نفتقدها نحن، أو نشتمل على أضدادها؟! كيف تكون الصدمة؟! وكيف تكون النتيجة؟!) ونحن بهذا لسنا نشترط بلوغ الكمال في شخصية المربي ـ وإن كان الترقّي فيه مطلوب ـ بل نقصد الحث إلى مزيدٍ من الاجتهاد في متابعة النفس وإلزامها منهج الصدق والإخلاص والمراقبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت