هذا ولقد حددت المفاهيم والقيم إلى درجة لم يبق بعدها أي مجال للتناقض والتفريط أو الإفراط، وهو ما لم تحققه ديانة غير الإسلام ولا فلسفة. ولن تستطيع أمم الغرب والشرق أن يحصلوا على ما هم عليه من ازدهار حضاري تكنولوجي إلا بعد نجاح إصلاح نظمهم، وما نجحت إصلاحاتهم إلا بفضل مستوى وعيهم الذي انعكس في تكامل العلماء ورجال السياسة، وتضافر عوامل الكفاءة التي يتمتع بها العلماء ورجال السياسة، وهو ما ساعد على نمو الشعور بالحاجة إلى إصلاح نظمها التربوية وتطويرها لتكون في مستوى القدرة على إعداد ما تحتاج إليه الحضارة من العلماء وكبار الخبراء ورجال الأعمال وعباقرة العصر، فلم تمنعهم لتحقيق ذلك ظروف الحرب القاسية، والهزيمة النكراء؛ لأنهم أدركوا أن مصيرهم مرتبط بالتفوق التكنولوجي أكثر مما تتوقف على نتائج الحرب التي خرجوا منها غالبين كأمريكا وروسيا وبريطانيا وفرنسا، أو مغلوبين كالألمان واليابان، لا الغلب يبطرهم، ولا النصر يلهيهم، فشمروا عن ساق الجد، وركزوا على مطامح المجد، لا يلوون على شيء إلى أن حققوا ما هم عليه الآن من ازدهار ورخاء. ولولا هذه الإصلاحات التي تجاوزت المحيط إلى أمريكا الشمالية؛ حيث عرفت التربية الأمريكية هي الأخرى تحولات كبرى لولاها ما عرف العالم الجديد هذا الازدهار الثقافي والتطور التكنولوجي المذهلين، وما كان لهذه الإصلاحات أن تحقق هذا المستوى من النجاح ولا أدنى منه إلا لأنها كانت اختيارية خالية من أي نوع من القسرية، شرعية منهجية لا يخالطها ارتجال، لم تفرض على أمة من الأمم أمرًا، ولم تفعل حاجة لطائفة أو فئة من الفئات الاجتماعية والطوائف والملل والنحل.