إن تغلغل النظام التربوي في أعماق حياة الأمة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والحضارية ووضعه منها موضع العمود الفقري في الجسم جعل عملية تبادل التأثير والتأثر بينه وبين مختلف مجالات الحضارة في حالة من التفاعل الوظيفي المستمر. وبهذا صار الإصلاح التربوي في غاية من التعقيد؛ فأي خطأ يرتكبه المصلحون في أي مرحلة من المراحل النظرية أو الإجرائية تترتب عليه عواقب ومشكلات قد لا تكون من السهل تصحيحها بعد فوات الأوان. هذا ومن الحقائق التي أثبتتها التجارب الإصلاحية التي قام بها المصلحون في مختلف النظم التربوية أن وراء كل خلفيةٍ إشكاليةً تترتب عليه عند تزامنها كمتغير مع الثابت، وهو الأمر الذي سيُحدِث من التناقضات ما يفوق الحصر. وحتى يمكن للمصلحين التحكم والضبط والتحديد للفروض التي لا بد أن تحصر نتائجها حصرًا دقيقًا عن طريق التنبؤ لا بد للعملية الإصلاحية من منهج تحدد في ضوئه مشكلاتها ومفاهيمها وأبعادها ومختلف عواملها، بالإضافة إلى الحل المنطقي والمراحل الإجرائية التي تمر بها إلى عملية التطبيق، ثم اختياره لمعرفة مدى صحة الفروض وما يترتب عليها من النتائج؛ فإذا تأكد لنا أنه لرفع مستوى التحصيل لا بد من رفع مستوى ثقافة المعلم وتحسين خبراته فإن هذا الحل يستلزم توفير شروط ذلك الإعداد، وإلا تعذر الحل؛ فالعملية الإصلاحية عملية تنصب على معطيات الحاضر لتصيغها صياغة جديدة مستقبلة قابلة للعمل الإجرائي في الميدان؛ لأن الحاضر في حكم الماضي، والماضي لا يغير أبدًا. على أن هذا لا يعني إطلاقًا الانتقاص من قيمة التاريخ؛ لأنه هو الذي يجمع معطياته، ويمثل الكيان الموضوعي الذي تم تشكيله النهائي داخل الصيرورة، وصار يمثل الصورة الحقيقية لحال من أحوال الأمة في زمن محدد؛ وهذا يعني أنه لا بد من المعطَى التاريخي الذي يُكوّن موضوع الصياغة المستقبلية من حيث هي صميم العملية الإصلاحية.