والخوف من الله ـ عز وجل ـ عبادة قلبية تدفع العبد إلى الحرص والجدية والإقبال على الطاعة، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ خاف أدلج، ومَنْ أدلج بلغ المنزل) (7) . ولهذا قال الحافظ عبيد الله بن جعفر: «ما استعان عبد على دينه بمثل الخشية من الله» (8) . وتتجلى حقيقة هذه العبادة القلبية على الجوارح، ولهذا جاء في حديث السبعة الذين يظلهم الله: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله) (1) . فالمعصية تعرضت له بأكمل زينتها، وأبهى فتنتها، وهو بشر كالبشر، لكن ما حبسه عنها إلا الخوف من الله عز وجل، ونظير هذا ما جاء في حديث الثلاثة الذين أطبق عليهم الغار، فقال أحدهم: (اللهم! إن كنت تعلم أني كنت أحب امرأة من بنات عمي كأشد ما يحب الرجال النساء، فقالت: لا تنال ذلك منها حتى تعطيها مائة دينار، فسعيت فيها فجمعتها، فلما قعدتُ بين رجليها قالت: اتق الله ولا تفضَّ الخاتم إلا بحقه! فقمت وتركتها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فرجة..) (2) ، وفي لفظ: (فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرِّج عنا) (3) .
فالمرأة الضعيفة استسلمت له، ولم تملك إلا تخويفه بالله عز وجل، فاستيقظ قلبه، وامتلأ خشية من الله، فحال ذلك بينه وبين المعصية، ومن أجمل ما وقفت عليه في تعريف الخشية قول سعيد بن جبير: «إن الخشية أن تخشى الله حتى تحول خشيتك بينك وبين معصيتك، فتلك الخشية» (4) .
سادسًا ـ تعظيم الأمر والنهي:
فغاية العبودية: التسليم والانقياد محبَّة وتذللًا، فتعظيم الأمر والنهي من تعظيم الله جلَّ وعلا، قال الله ـ عز وجل ـ: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ} [الحج: 30] ، وقال الله ـ تعالى ـ: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32] .