فهرس الكتاب

الصفحة 720 من 1113

ولهذا كان من المُهِم في حياة الداعية أن يعي خطر هذا المزلق، وأن يرقب القصد الصالح في دعوته؛ وذلك كل لحظة من عمره.

ومن أعظم الانحراف في القصد أن يبتغي الداعي في دعوته كسب الأتباع، وحصول المزايا لشخصه من الإجلال والتقدير، وهذا مدخلٌ عظيم من مداخل الشيطان.

2 ـ العزلة بالنفس عن فضول المخالطة، ودوام المجالسة.

قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: «قسوة القلب من أربعة أشياء ـ إذا جاوزت قدر الحاجة ـ: الأكل، والنوم، والكلام، والمخالطة» (5) .

وصدق ـ رحمه الله ـ فليس أنفع للنفس، وأصفى للقلب من العزلة المعتدلة التي لا يُراد منها تنصلًا من تكليف، أو هروبًا من ضغط الواقع وواجباته.

والعزلة ـ بالأوصاف السابقة ـ مهمة للداعية والمربي؛ فهي بالإضافة إلى كونها توقف الداعية على حقيقة نفسه، تهيئ له مناخًا صحيًا لاختيار الرأي الصواب البعيد عن المؤثرات الخارجية من شغب الجماهير، ومحاكاة الأقران، وغير ذلك.

قال ـ تعالى ـ: {قُلْ إنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ} [سبأ: 46] .

وفي هذه الآية يأمر ـ سبحانه ـ كفار قريش ومن كابر عن الحق بأن ينفصل من مؤثرات الجماهير، ويخلو بنفسه أو مع صاحبه حتى يتبين له الحق؛ وذلك لأن من ألف المخالطة ـ في أيامه كلها ـ خمدت أدوات التفكير لديه، بل ويأسن عقله كما يأسن الماء، ويصبح ـ مع الزمن ـ خامل الفكر، تابعًا في رأيه، مترددًا في اختيار قراراته، مراوغًا من تحمل تبعاتها.

فائدة: قال نعيم بن حماد: كان ابن المبارك يكثر الجلوس في بيته، فقيل له: ألا تستوحش؟ فقال: كيف أستوحش وأنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه (6) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت