وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: حدثني بعض أقارب شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ قال: كان في بداية أمره يخرج أحيانًا إلى الصحراء يخلو عن الناس لقوة ما يرد عليه، فتبعته يومًا فلما أصحرَ تنفس الصعداء، ثم جعل يتمثل بقول الشاعر ـ وهو لمجنون ليلى ـ من قصيدته الطويلة:
وأخرجُ من بين البيوت لعلني أحدِّث عنك النفس بالسر خاليا» (7)
إنه مشهدٌ من البهاء كبير حينما يبلغ حب العبد لخالقه هذا المبلغ، فيخلو بربه، معترفًا بذنوبه بين يديه، آنسًا بذكره، متبصرًا في أدواء نفسه.
وإن هذه الخلوات بصفائها، ونقائها، وجمالها لتُخرجُ للأمة قادةً ربانيين، متجردين من حظوظ أنفسهم، وشهواتها، في سبيل النهوض بالأمة، والرفع من شأنها.
وهنا تتجلى لنا الحكمة في موقف المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، حينما كان يخلو بربه في غار حراء استعدادًا لتلقي القول الثقيل، وتحمل التضحيات لأجله.
ولابن القيم ـ رحمه الله ـ كلام جميل في تقسيم المخالطة. قال (8) : الاجتماع بالإخوان، قسمان:
أحدهما: اجتماع على مؤانسة الطبع وشغل الوقت؛ فهذا مضرته أرجح من منفعته، وأقل ما فيه أنه يفسد القلب، ويضيع الوقت.
الثاني: الاجتماع بهم على التعاون على أسباب النجاة والتواصي بالحق والصبر؛ فهذا من أعظم الغنيمة وأنفعها، ولكن فيه ثلاث آفات: إحداها: تزيُّن بعضهم لبعض. الثانية: الكلام والخلطة أكثر من الحاجة. الثالثة: أن يصير ذلك شهوة وعادةً ينقطع بها عن المقصود.
+ جانب التحلية:
وهنا نذكر أربعة أمور تساهم بعدما سبق في بناء النفس بناء إيمانيًا:
1 ـ الإكثار من عمل السر؛ وهذا من دلائل صدق المحبة لله تعالى، ومن أمارات الإخلاص التي يجب على المسلم أن يتلبس بهذه الصفة، ولا أشق على النفس من عمل السر؛ لأنها ليس لها حظٌّ منه، كما قال بعض السلف.
ولعمل السر ثمرات كثيرة، منها: