ثم كيف يقبل العقل الحُرّ، أو ترضى الفطرة السليمة أن تنتهي الحياة، وقد طغى فيها من طغى، وبغى فيها من بغى، وقتل فيها من قتل، وتجبر فيها من تجبر، ولم يأخذ أحد من هؤلاء عقابه، بل تستر واختفى، وأفْلَت ونجا؟ وفي الجانب الآخر: كم استقام من استقام، وأحسن من أحسن، وضحّى من ضحّى، وجاهد من حاهد، وقدّم من قدّم، ولم ينل جزاء ما قدّم! ألا يحق للعقل أن يؤمن إيمانًا جازمًا أنه لا بد من وجود دار أخرى، تسوّى فيها الحسابات، يجزى فيها المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته؟ قال ـ تعالى ـ: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70] .
الإنسان مخلوق كريم عند الله، خلقه في أحسن تقويم، وكرمه أعظم تكريم، وصوَّره فأحسن صورته، خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وميزه بالعلم والإرادة، وجعله خلفية في الأرض، وسخر له ما في السموات، وما في الأرض جميعًا منه، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة؛ فكل ما في الكون له ولخدمته، أما هو فجعله ـ تعالى ـ لنفسه. لذلك يشعر المؤمن بذاته، ويغالي بقيمة نفسه؛ لأنه يعتز بانتسابه إلى الله، وارتباطه بكل ما في الوجود؛ فيحيا عزيز النفس، عالي الرأس، أبيًا للضيم، عصيًا على الذل والهوان، بعيدًا عن الشعور بالتفاهة والضياع، والصغار والفراغ.