فهرس الكتاب

الصفحة 777 من 1113

فالناس يموتون على ما عاشوا عليه؛ فمن عاش جميعًا مات جميعًا، ومن عاش أوزاعًا شتى، وأجزاء متناثرة، مات عاش، وقليل من الناس، بل أقل من القليل ذلك الذي يعيش لغاية واحدة، ويجمع همومه في همّ واحد، يحيا له، ويموت له، ذلك هو المؤمن البصير الذي غايته الفرار إلى الله، وسبيله اتباع ما شرع الله، وكل شيء في حياته لله وبالله، حاله تنطق به هذه الآية: {قُلْ إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 162] ، وقال ـ تعالى ـ: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 82] .

إن الناس يخافون من أشياء كثيرة، وأمور شتى، ولكن المؤمن سد أبواب الخوف كلها، فلا يخاف إلا من الله وحده، يخافه أن يكون فرَّط في حقه، أو اعتدى على خلقه، أما الناس فلا يخافهم؛ لأنهم لا يملكون له ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا. والمؤمن آمن على رزقه أن يفوته؛ فإن الأرزاق في ضمان الله الذي لا يُخلِفُ وعدَه، ولا يضيع عبده، وهو الذي يُطعم الطير في الوكنات، والسباع في الفلوات، والأسماك في البحار، والديدان في الصخور، وهو الذي يسمع دبيب النملة السمراء، على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء. لقد كان المؤمن يذهب إلى ميدان الجهاد حاملًا رأسه على كفه متمنيًا الموت في سبيل عقيدته، ومن خلفه ذرية ضعاف، وأفراخ زغب الحواصل لا ماء ولا شجر، ولكنه يوقن أنه يتركهم في رعاية رب كريم، هو أبر بهم، وأحنى عليهم منه، وتقول الزوجة عن زوجها وهو ذاهب في سبيل الله: إني عرفته أكَّالًا وما عرفته رزَّاقًا، ولئن ذهب الأكَّال، لقد بقي الرزاق. وهو آمن على أجله؛ فإن الله قدر له ميقاتًا مسمى، أيامًا معدودة، وأنفاسًا محدودة، لا تملك قوة في الأرض أن تنقص من هذا المقدار أو تزيد فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت