هدد الحجاجُ سعيدَ بن جبير التابعي الجليل بالقتل، فقال له سعيد: «لو علمتُ أن الموت والحياة في يدك، ما عبدت إلهًا غيرك» . إن الإيمان والأمل متلازمان، فالمؤمن أوسع الناس أملًا، وأكثرهم تفاؤلًا واستبشارًا، وأبعدهم عن التشاؤم والتبرم والضجر؛ إذ الإيمان معناه الاعتقاد بقوة عليا تدبر هذا الكون، لا يخفى عليها شيء، ولا تعجز عن شيء، بيدها كل شيء.
المؤمن يعتصم بهذا الإله العظيم، البر الرحيم، العزيز الحكيم، الغفور الودود، ذي العرش المجيد، الفعَّال لما يريد، يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء، ويقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، أرحم بعباده من الأم بولدها، وأبر بخلقه من أنفسهم. فالمؤمن إذا حارب كان واثقًا بالنصر؛ لأنه مع الله فالله معه، ولأنه لله فالله له: {إنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ* وَإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 172 - 173] . وهذا درس بليغ لنا في معركتنا مع أعدائنا. والمؤمن إذا مرض لم ينقطع أمله في العافية: {وَإذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80] والمؤمن إذا اقترف ذنبًا لن ييأس من المغفرة: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ} [الزمر: 53] . وإذا أعسر لم يزل يؤمل باليسير: {فَإنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 5] .
وإذا انتابته كارثة من الكوارث كان على رجاء من الله أن يأجره في مصيبته، وأن يخلفه خيرًا منها. وإذا رأى الباطل يقوم في غفلة الحق، ويصول ويجول، أيقن أن الباطل إلى زوال، وأن الحق إلى ظهور وانتصار. وإذا أدركته الشيخوخة، واشتعل رأسه شيبًا لا ينفكُّ يرجو حياة أخرى: شبابًا بلا هرم، وحياة بلا موت، وسعادة بلا شقاء.