فهرس الكتاب
الصراحة، والوضوح أسماء ومعانٍ قلّما تجد من يتمثلها فتصبح واقعًا وسلوكًا ومنهجًا في تعامله مع الآخرين صغارًا أم كبارًا، ولذا فإنك ترى من يفعل ذلك قد أصبح لكلامه وقعٌ في النفوس، ولوعظه تأثيرٌ في القلوب، وأعماله منهجٌ يسير عليه ويقتدي به الآخرون، وما ذلك إلا لأن هؤلاء قد عظّموا الله ـ جل جلاله ـ تعظيمًا فاق كل التصورات، واقتفوا أثر نبيهم، فكان نبراسًا لهم في هذه الحياة. وما أجمل وضوح سعد بن عبادة ـ رضي الله عنه ـ وشفافية رده للنبي -صلى الله عليه وسلم- عندما سأله: «فأين أنت من ذلك يا سعد؟» فقال -صلى الله عليه وسلم-: «يا رسول الله! إنما أنا رجل من قومي» ؛ أي: أن قولهم ورأيهم هو قولي ورأيي. لم يكن سعد ـ رضي الله عنه ـ متكلفًا أو مجاملًا أو متلونًا، وهذه صفات تكثر في الأتباع تجاه قادتهم؛ مما يورث الجماعة انقسامًا، وتحزبًا، ونجوى مفسدة وموهنة لحبل الاجتماع. وقد يقول قائل: إن سعدًا كان إمَّعة في قوله ذاك، أو أنه خاطب النبي -صلى الله عليه وسلم- بالمنطق الجاهلي:
وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت وإن ترشد غزية أرشدِ
كلاَّ! إنها مسألة بدهية أن يجد الإنسان في نفسه عندما يرى العطايا تقسم ولا يصل له منها شيء، مع أنه جزء من الجماعة؛ فما بالك إذا كان هو مرتكز التغيير والتحول، وصاحب السابقة، والتأييد، والإعزاز، والنصرة؛ فكيف سيكون الحال؟
إن المسألة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بفطرة الإنسان في محبته للمال والعطاء؛ فلا أحد يرضى أن يكون فقيرًا أو معدومًا، والله قد أحل الغنائم لأمة محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ فأي غضاضة أن يطلب الإنسان حظه منها؟!