القلب أعظم ما يمتلك المرء؛ إذ إنه ملك الجوارح وسيدها المطاع وهو موجه الأوامر؛ ولذا فإن من أخطر أنواع الاستعباد أن يُستعبد قلب المرء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: «إن أسر القلب أعظم من أسر البدن واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن؛ فإن من استُعبد بدنه واستُرق لا يبالي إذا كان قلبه مستريحًا من ذلك مطمئنًا، بل يمكنه الاحتيال في الخلاص. وأما إذا كان القلب الذي هو الملك رقيقًا مستعبدًا متيمًا لغير الله فهذا هو الذل والأسر المحض والعبودية لما استعبد القلب» (2) ؛ فمن الأمور التي يستعبد بها قلب المرء:
1 -العشق والتعلق:
وهذا من أخطر الأمراض على العبد ومن أشدها عبودية؛ فهو عدو الصحة، وشلل الدعوة، وتوقف الحزم، وتبلد العقل، وطريق الشيطان؛ فالعاشق لا تجد لذكر الله محلًا بقلبه؛ إذ إنه أصبح متعلقًا بغيره، ولا تجد لبصيرة قلبه مسلكًا؛ لأن الهوى قد غلفها بظلامه، فهو يعيش ـ وإن رأيته حرًا ـ أسير شهوته وقيد عشقه، فتراه عبدًا ذليلًا لمعشوقه، لا يكاد يقاوم لهفة نفسه عند ذكره؛ فهو مستعبد داخليًا مُذلل خارجيًا. قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: «المحب بمن أحب قتيل، وهو له عبد خاضع ذليل، إن دعاه لبَّاه، وإن قيل له: ما تتمنى؟ فهو غاية ما يتمناه، لا يأنس، ولا يسكن إلا سواه» (3) . وما أشنع من منظر رأته عيناك من منظر ذاك العاشق الولهان الذي ضاع عمره القصير في تفاهة أمر كان بإمكانه التخلص منه. قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: «قيل: العشق هو فساد الإدراك، والتخيل والمعرفة؛ فإن العاشق يخيل له المعشوق على خلاف ما هو به، حتى يصيبه ما يصيبه من داء العشق، ولو أدركه على الوجه الصحيح لم يبلغ إلى حد العشق وإن حصل له محبة وعلاقة» (4) .