أي يبدأ في طاعة معينة تعالج سببًا معينًا اكتشفه في نفسه، ويجتهد فيها ويداوم عليها فترة، بينه وبين ربه الودود الكريم، فينمحي الخلل النفسي الداخلي، فيستشعر أنه بدأ المسير المبارك؛ فيجازيه الحق الحنان المنان الرحيم ـ سبحانه ـ بأن يهديه إلى طاعة أخرى وييسّرها له؛ فالطاعة عنده ـ سبحانه ـ تؤدي إلى طاعة، فيسمو روحيًا، ويظل يترقى ما دام سائرًا على طريقه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69] .
وتدبَّر هذا الحديث، وتأمَّله وكأنك تقرؤه لأول مرة:
عن الحبيب -صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الله ـ سبحانه وتعالى ـ أمر يحيى بن زكريا ـ عليهما الصلاة والسلام ـ بخمس كلمات أن يعمل بها، ويأمرَ بني إسرائيل أن يعملوا بها، وأنه كاد أن يبطئ بها، فقال له عيسى ـ عليه السلام ـ: إن الله ـ تعالى ـ أمرك بخمس كلمات لتعمل بها؛ وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإما أن تأمرهم وإما أن آمرهم، فقال يحيى: أخشى إن سبقتني بها أن يُخسَف بي وأُعذَّب. فجمع يحيى الناس في بيت المقدس، فامتلأ المسجد، وقعد على الشرف، فقال: إن الله ـ تبارك وتعالى ـ أمرني بخمس كلمات أن أعملهن وآمركم أن تعملوا بهن: أولُهنّ أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وإن من أشرك بالله كمثل رجلٍ اشترى عبدًا من خالص ماله بذهبٍ ووَرِقٍ (*) ، فقال: هذه داري وهذا عملي، فاعمل وأدِّ إليَّ؛ فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيده؛ فأيُّكم يرضى أن يكون عبده كذلك؟