فهرس الكتاب

الصفحة 941 من 1113

وهذه أسرار مباركة للدعاء، لا يشعر بها إلا من مرَّ بتجربة خاصة، يستشعر فيها كيف أن الحق ـ سبحانه ـ يمنُّ على عباده المتقربين إليه، المتذللين إليه بأنواع العبادة المختلفة، فيجدونها وقد استحالت من مجرد قوى معنوية، إلى قوى مادية ربانية ذات آثار ملموسة ومعلومة، وبذلك يُفتح للعبد أبواب متعددة من أبواب التربية الروحية.

«وهذه (القوة الدعائية) ـ التي كان لها الأثر المادي العظيم، كما ورد في قصة (الثلاثة والصخرة) ـ لا يدرك سرَّها إلا من عايش جوَّ هذه الآية: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} ، فالمضطر في لحظات الكربة والضيق لا يجد له ملجأ إلا الله يدعوه ليكشف عنه الضر والسوء؛ ذلك حين تضيق الحلقة، وتشتد الخنقة، وتتخاذل القوى، ويتهاوى الأسناد، وينظر الإنسان حواليه فيجد نفسه مجردًا من وسائل النصرة وأسباب الخلاص، لا قوته، ولا قوة في الأرض تنجده، في هذه اللحظة تستيقظ الفطرة فتلجأ إلى القوة الوحيدة التي تملك الغوث والنجدة، ويتجه الإنسان إلى الله ولو كان نسيه من قبل في ساعات الرخاء؛ فهو وحده دون سواه، الذي يجيب المضطر إذا دعاه، فيجيبه ويكشف عنه السوء، وينجيه من الضيقة الآخذة بالخناق» (1) .

(ج) تدبُّر ما ورد في دعاء الخليل ـ عليه السلام ـ: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ} [إبراهيم: 37] .

وكيف طلب منه ـ سبحانه ـ أن يربط بين مشروعه الحضاري العظيم ـ وهو مشروع الحج ـ وبين أفئدة البشر، كعلاقة وجدانية قلبية، وعامل خفي يخاطب القلوب ويجذبها، كما جذبت فكرة هذا العمل العظيم عقول البشر.

وهذا يبين الفرق بين المشروع الحضاري الذي يقوم على فكرة ربانية، والمشاريع الأخرى القائمة على أفكارٍ مغايرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت