فهرس الكتاب

الصفحة 3994 من 4009

ذلك أن يكسر من شهوة الشباب حتى لا تطغى عليه الشهوة فيصير إلى العنت، وكذلك إذا ترك ما لا بأس به حذرًا مما به البأس, كترك الاستمتاع بما فوق الإزار من الحائض خشية الإتيان. فذلك من أوصاف المتقين، وكترك المتشابه حذرًا من الوقوع في الحرام, واستبراء للدين والعرض، كما إذا وجد في بيته طعامًا لا يدري أهو له أو لغيره، وكمن أراد أن يتزوج امرأة فأخبرته امرأة أنها أرضعتها ولا يعلم صدقها من كذبها، فإن ترك أزال عن نفسه الشك, وإن تزوجها فإن نفسه لا تطمئن إلى حلِّها. وإن كان الترك لغير ذلك فإما أن يكون تدينًا أو لا، فإن لم يكن تدينًا، فالتارك عابث بتحريمه الفعل, أو بعزيمته على الترك، ولا يسمى هذا الترك بدعة إلا على الرأي القائل: إن البدع تدخل في العادات، أما على الآخر فلا. لكن التارك يصير عاصيًا بتركه, أو اعتقاده التحريم فيما أحل الله، وأما إن كان الترك تدينًا فهو الابتداع في الدين على كلا الرأيين، إذ قد فرضنا الفعل جائزًا شرعًا فصار الترك المقصود معارضة للشارع في شرع التحليل. كترك كثير من العباد والمتصوفة تناول الطيبات تنسكًا وتعبدًا لله بتعذيب النفس وحرمانها. اتبعوا في هذا سنن من قبلهم شبرًا بشبر, وذراعًا بذراع كعباد بني إسرائيل، ورهبان النصارى، وهؤلاء أخذوها عن بعض الوثنيين من البراهمة الذين يحرمون جميع اللحوم, ويزعمون أن النفس لا تزكو ولا تكمل إلا بحرمان الجسد من اللذات, وقهر الإرادة بمشاق الرياضات، وكترك أهل الأستانة أكل لحم الحمام فهو يفرخ في مساجدهم وبيوتهم ولا يأكل أحد منه شيئًا, بل يتحرجون من أكله وينكرونه، فإن كان تركهم له تدينًا لاعتقادهم حرمته فهو بدعة تركية وإلا فلا، مع عصيانهم باعتقاد التحريم فيما أحل لهم, وفي نحوهم نزل قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [المائدة: 87] . فنهى أولًا عن تحريم الحلال, وأشعر ثانيًا بأن ذلك اعتداء, وأن من اعتدى لا يحبه الله. لأن بعض الصحابة أراد أن يحرم على نفسه النوم بالليل، وآخر الأكل بالنهار, وآخر أكل اللحم, وآخر إتيان النساء، وبعضهم همَّ بالاختصاء مبالغة في قطع الميل إلى النساء, فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (( ما بال أقوام يقول أحدهم: كذا وكذا؟ لكني أصوم وأفطر, وأنام وأقوم, وآكل اللحم, وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني ) )متفق عليه من حديث أنس [1] . فإذا كل من منع نفسه من تناول ما أحل الله من غير عذر شرعي فهو خارج عن سنة النبي صلوات الله وسلامه عليه. والعامل بغير السنة تدينًا هو المبتدع بعينه, وكذلك ترك المطلوبات الشرعية وجوبًا أو ندبًا يسمى بدعة إن كان الترك تدينًا. لأنه تدين بضد ما شرع الله. أما تركها كسلًا أو تضييعًا أو ما أشبه ذلك من الدواعي النفسية فهو راجع إلى المخالفة للأمر, فإن كان في اجب فمعصية وإلا فلا.

مثال الترك تدينًا أهل الإباحة القائلون بإسقاط التكليف إذا بلغ السالك عندهم المبلغ الذي حددوه, وذلك هو الضلال البعيد. فإن الله جلت حكمته كلف عباده كافة بما شاء، ولا يسقط التكليف إلا بزوال العقل، فلو بلغ المكلف من مراتب الكمال ما بلغ بقي التكليف عليه إلى الموت، ولم يبلغ أحد من الكمال مرتبة رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولا مرتبة أصحابه الأطهار الأخيار، ولم يسقط عنهم من التكليف مثقال ذرة، إلا ما لا طاقة له به, كالزَّمِنِ لا يطالب بالجهاد، والمقعد لا يطالب بالصلاة قائمًا، والحائض لا تطالب بالصلاة حال الحيض, وما إلى ذلك من الأعذار، فمن زعم أن التكليف قد يرفعه البلوغ إلى مرتبة ما من مراتب الكمال كما يزعمه أهل الإباحة كان اعتقاده هذا بدعة مخرجة من الدين نعوذ بالله من الضلال. وبعض الروافض الذين يدينون بشهادة الزور لموافقيهم في العقيدة إذا حلف على صدق دعواه [2] .

أما عن البدعة الفعلية فهي كثيرة، ومنها اختراع أحاديث مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والزيادة في شرع الله ما ليس منه، كمن يزيد في الصلاة ركعة، أو يزيد في وقت الصيام المحدد من اليوم، أو يصلي في أوقات النهي عن الصلاة، أو يصوم في أوقات النهي عن الصيام، أو يدخل في الدين ما ليس منه من الآراء أو الأفعال [3] . تنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من الأخطار لصالح بن سعد السحيمي - ص 97

(1) رواه البخاري (5063) ، ومسلم (1401) .

(2) (( الإبداع في مضار الابتداع ) )لعلي محفوظ (51 - 53) .

(3) (( البدعة ) )لعزت عطية (357 - 358) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت