فهرس الكتاب

الصفحة 1475 من 8426

عن شبرمة فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -"إِنَ كُنْتَ حَجَجْتَ فَلَبِّ عَنْهُ وَإِلَّا فَاحْجُجْ"وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالبٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه أنه قال لشيخٍ كبيرٍ لم يحج إن شئت فجهز رجلًا يحج عنك"."

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى الْحَجَّ بِالِاسْتِطَاعَةِ، وَالِاسْتِطَاعَةُ تَنْقَسِمُ اثْنَيْ عَشَرَ قِسْمًا.

فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ مُسْتَطِيعًا بِبَدَنِهِ وَمَالِهِ قَادِرًا عَلَى زَادٍ وَرَاحِلَةٍ وَاجِدًا لِنَفَقَتِهِ، وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ فِي ذَهَابِهِ وَعَوْدِهِ مَعَ إِمْكَانِ الزَّمَانِ، وَانْقِطَاعِ الْمَوَانِعِ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ إِجْمَاعًا، وَاعْتِبَارُ زَادِهِ وَرَاحِلَتِهِ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ فِي قُوَّتِهِ وَضَعْفِهِ فَإِنِ اسْتَطَاعَ رُكُوبَ الرَّحْلِ وَالْقَتَبِ رَكِبَ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ إِلَّا رُكُوبَ مَحْمَلٍ، أَوْ سَاقِطَةٍ كَانَ ذَلِكَ شَرْطًا فِي اسْتِطَاعَتِهِ.

: قال الشافعي.

وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُسْتَطِيعًا بِبَدَنِهِ قَادِرًا عَلَى الْمَشْيِ عَادِمًا لِلزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ، وَحَاضِرِيهِ الَّذِينَ بَيْنَهُمْ، وَبَيْنَ الْحَرَمِ دُونَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَإِنْ وَجَدَ الزَّادَ، وَعَدِمَ الرَّاحِلَةَ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ، لِأَنَّهُ لَا مَشَقَّةَ تَلْحَقُهُ فِي مَشْيِ هَذِهِ الْمَسَافَةِ، فَصَارَ كَمَنْ سَمِعَ آذَانَ الْجُمُعَةِ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ إِلَيْهَا، وَإِنْ عَدِمَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ جَمِيعًا، فَلَهُ حَالَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ ذَا صَنْعَةٍ يَكْتَسِبُ بِهَا قَدْرَ كِفَايَتِهِ، وَكِفَايَةِ عِيَالِهِ، وَيَفْضُلُ لَهُ مَؤُونَةُ حَجِّهِ، فَعَلَيْهِ الْحَجُّ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِمَا فَضَلَ عَنِ الْكِفَايَةِ، وَقَدْ فَضَلَ.

وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يَكْتَسِبَ بِصَنْعَتِهِ قَدْرَ كِفَايَتِهِ، وَمَتَى اشْتَغَلَ بِالْحَجِّ أَضَرَّ بِعِيلَتِهِ فَلَا حَجَّ عَلَيْهِ، وَمَقَامُهُ عَلَى عِيَالِهِ أَولَى لقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -"كَفَى الْمَرْءَ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ".

وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بَعِيدَ الدَّارِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَرَمِ مَسَافَةُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَأَكْثَرُ فَلَا حَجَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي الصَّحَابَةِ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَفِي التَّابِعِينَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَفِي الْفُقَهَاءِ قَوْلُ أبي حنيفة وَالثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ الْحَجُّ إِذَا كَانَ مُكْتَسِبًا إِمَّا بِصَنْعَةٍ، أَوْ مَسْأَلَةٍ، وَنَحْوِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ تَعَلَّقَا، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا) الحج: 27) وَقُرِئَ رِجَّالًا مُشَدَّدًا أَيْ مُشَاةً، وَلَهُ يَأْتُوكَ مَعْنَاهُ لِيَأْتُوكَ رِجَالًا فَأَخْبَرَ بِإِيجَابِ الْحَجِّ عَلَى الْمُشَاةِ، وَالرُّكْبَانِ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلِلهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) آل عمران: 97) وَذَلِكَ عَلَى عُمُومِ الظَّاهِرِ فِي الِاسْتِطَاعَةِ، قَالُوا: وَلِأَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْأَبْدَانِ يَجِبُ عَلَى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت