فَصْلٌ
: وَأَمَّا الصِّيَامُ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ مُعَيَّنَ الْمَكَانِ، وَذَلِكَ صَوْمُ التَّمَتُّعِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ) البقرة: 196) فَيَصُومُهَا عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ حُكْمِهِ فِي تَفْرِيقِهِ وَتَتَابُعِهِ.
الضَّرْبُ الثَّانِي: مَا كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنِ الْمَكَانِ، وَهُوَ مَا سِوَى صَوْمِ التَّمَتُّعِ، فَهَذَا يُجْزِئُ فِي الْحَرَمِ وَغَيْرِ الْحَرَمِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْحَرَمِ أَوْلَى لِشَرَفِ الْمَكَانِ وَقُرْبِ الزَّمَانِ وَإِنَّمَا أَجْزَأَهُ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ وَإِنْ لَمْ يُجْزِهِ الْهَدْيُ إِلَّا فِي الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ لِأَهْلِ الْحَرَمِ فَجَازَ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ، وَالْهَدْيُ نَفْعٌ لِأَهْلِ الْحَرَمِ فَلَمْ يَجُزْ إِلَّا فِي الْحَرَمِ، ثُمَّ هُوَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ مُقَدَّرًا بِالشَّرْعِ وَهُوَ صَوْمُ كَفَّارَةِ التَّعَبُّدِ، فَلَا يَنْخَفِضُ وَلَا يَرْتَفِعُ.
وَالثَّانِي: مَا كَانَ غَيْرَ مُقَدَّرٍ بِالشَّرْعِ، وهو صوم كفارة البدل، فربما انخفض وربما ارْتَفَعَ، ثُمَّ هَلْ تَجِبُ مُتَابَعَتُهُ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ مَضَيَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، وَذَكَرْنَا أَنَّ الْوَاطِئَ فِي الْحَجِّ بَعْدَ الْإِحْلَالِ الْأَوَّلِ غَيْرُ مُفْسِدٍ لِلْحَجِّ، وَأَنَّ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ، وَفِيهَا قولان:
أحدها:"بَدَنَةٌ".
وَالثَّانِي:"شَاةٌ"وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ، وَذَكَرْنَا كَيْفِيَّةَ الْإِحْلَالِ الْأَوَّلِ، وَأَنْ يَكُونَ بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ إِنْ قِيلَ إِنَّ الْحَلْقَ لَيْسَ بِنُسُكٍ، وَاسْتَوْفَيْنَا جَمِيعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى إِعَادَةٍ.
مَسْأَلَةٌ: قال الشافعي رضي الله عنه:"وَمَنْ أَفْسَدَ الْعُمْرَةَ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ مِنَ الْمِيقَاتِ الذي ابتدأها منه فإن قيل فقد أمر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عائشة أن تقضي العمرة من التنعيم فليس كما قال إنما كانت قارنًا وكان عمرتها شيئًا استحسنته فأمرها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بها لا أن عمرتها كانت قضاء لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لها"طوافك يكفيك لحجك وعمرتك"."
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنَ الْوَطْءِ، سَوَاءٌ كَانَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ قَارِنًا وَمَضَى الْكَلَامُ فِي الْحَجِّ، فَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَإِنْ وَطِئَ فِيهَا بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِهَا وَقَبْلَ الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، أَوْ بَعْدَ الطَّوَافِ وَقَبْلَ السعي، أو قبل كمال جَمِيعِ السَّعْيِ، فَقَدْ أَفْسَدَ عُمْرَتَهُ، وَإِنْ وَطِئَ بَعْدَ السَّعْيِ وَقَبْلَ الْحِلَاقِ فَعَلَى قَوْلَيْنِ مَبْنِيَّيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الْحَلْقِ، فَإِنْ قِيلَ إِنَّهُ نُسُكٌ يُتَحَلَّلُ بِهِ أَفَسَدَ عُمْرَتَهُ، وَإِنْ قِيلَ إِنَّهُ إِبَاحَةٌ بَعْدَ حَظْرٍ لَمْ يُفْسِدْ فَإِنْ أَفَسَدَ عُمْرَتَهُ لَزِمَهُ