فأما الشافعي: فإنه حكى مناظرة بينه وبين العراقيين في هذه المسألة، اختلف أصحابنا فيه.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ محمد بن الحسن.
وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ بشر المريسي فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: قَالَ لي قائل، يقول: لو قبلت امرأة ابنه لشهوة حَرُمَتْ عَلَى زَوْجِهَا أَبَدًا لِمَ قُلْتَ هَذَا، فهذا سؤال أورده عليه، فالمخالف، فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ: قَدْ أَخْطَأَ الْمُزَنِيُّ فِي نَقْلِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ لِمَ لَا، قُلْتُ هَذَا، فَحَذَفَ لَا وَقَالَ لِمَ قُلْتُ هَذَا سَهْوًا مِنْهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَقْلُ الْمُزَنِيِّ صَحِيحٌ، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ ذَكَرَ مَذْهَبَهُ فِي أَنَّ الحرام لا يحرم الحلال وطأً كان أَوْ لَمْسًا، فَقَالَ لَهُ الْمُخَالِفُ أَنَا أَقُولُ: لو قبلت امرأة ابنه بشهوة حَرُمَتْ عَلَيْهِ أَبَدًا لِمَ قُلْتَ هَذَا الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْكَ فِي أَنَّ الْحَرَامَ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ.
فَأَجَابَ الشَّافِعِيُّ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ مِنْ قبل: إن الله تعالى حَرَّمَ أُمَّهَاتِ نِسَائِكُمْ، وَهَذَا بِالنِّكَاحِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَاسَ الْحَرَامُ بِالْحَلَالِ يَعْنِي أَنَّهُ لَمَّا كَانَ النَّصُّ وَارِدًا فِي النِّكَاحِ كَانَ الْحُكْمُ مَقْصُورًا عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنِ الْحَرَامُ مُلْحَقًا بِهِ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَرَامِ مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الْحَلَالِ، ثُمَّ قال الشافعي وقوله تعالى حاكيًا عن هذا القائل فقال لي أحدهما جِمَاعًا وَجِمَاعًا، يَعْنِي أَنَّ وَطْءَ الزِّنَا جِمَاعٌ ووطء النكاح جماع فاقتضى لتساويهما أن يستوي حُكْمُهُمَا فَأَجَابَهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ هَذَا بِأَنْ فَرَّقَ بين الجماعين في الحكم فقال: جماعًا حمدت به، وجماعًا رجعت به، وأحدهما نعمة وجعلته نَسَبًا وَصِهْرًا، وَأَوْجَبَ بِهِ حُقُوقًا وَجَعَلَكَ مَحْرَمًا لِأُمِّ امْرَأَتِكَ وَابْنَتِهَا تُسَافِرُ بِهِمَا وَجَعَلَ الزِّنَا نِقْمَةً فِي الدُّنْيَا بِالْحُدُودِ، وَفِي الْآخِرَةِ بِالنَّارِ إلا أن يعفو الله، أفتقيس الحرام الذي هو نقمة على الحلال الذي هو نعمة.
فَبَيَّنَ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ الْجِمَاعَيْنِ لَمَّا افْتَرَقَا فِي هذه الْأَحْكَامِ الَّتِي أَجْمَعْنَا عَلَيْهَا وَجَبَ أَنْ يَفْتَرِقَا فِي تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ الَّتِي اخْتَلَفْنَا فِيهَا ثُمَّ أن الشافعي استأنف سؤالًا على هذه المناظرة له فَقَالَ: إِنْ قَالَ لَكَ قَائِلٌ: وَجَدْتُ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا تَحِلُّ بِجِمَاعِ الزَّوْجِ فَأُحِلُّهَا بِالزِّنَا؛ لِأَنَّهُ جماع كجماع كما حرمت به الحلال، ولأنه جِمَاعٌ وَجِمَاعٌ، فَأَجَابَهُ هَذَا الْمُنَاظِرُ بِأَنْ قَالَ: إِذًا تُخْطِئُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحَلَّهَا بِإِصَابَةِ زَوْجٍ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: وَكَذَلِكَ مَا حَرَّمَ فِي كِتَابِهِ بِنِكَاحِ زَوْجٍ وَإِصَابَةِ زَوْجٍ فَأَوْرَدَ أَوَّلَ السؤال نقصًا ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّهُمْ قَدْ جَعَلُوا بَيْنَ الْجِمَاعَيْنِ فَرْقًا لِأَنَّهُ أَلْحَقَ الْجِمَاعَ الْحَرَامَ بِالْجِمَاعِ الْحَلَّالِ من حيث جمعهما بالاسم فَعَارَضَهُ بِتَحْلِيلِهَا لِلزَّوْجِ بِالْجِمَاعِ الْحَرَامٍ قِيَاسًا عَلَى الْجِمَاعِ الْحَلَالِ لِاجْتِمَاعِهِمَا فِي الِاسْمِ، فَأَقَرَّ بِتَخْطِئَةِ قَائِلِهِ فَصَارَ نَقْضًا وَاعْتِرَافًا بِأَنَّ اجْتِمَاعَهُمَا فِي الِاسْمِ لَيْسَ بِعِلَّةٍ فِي الْحُكْمِ، ثُمَّ حَكَى الشَّافِعِيُّ: سُؤَالًا اسْتَأْنَفَهُ مَنَاظِرُهُ.
فَقَالَ: قَالَ لِي أفيكون شَيْءٌ يُحَرِّمُهُ الْحَلَالُ لَا يُحَرِّمُهُ الْحَرَامُ أَقُولُ بِهِ.
فَأَجَابَهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ هَذَا بِأَنْ قَالَ نَعَمْ يَنْكِحُ أَرْبَعًا فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْكِحَ من النساء خامسة فيحرم عليه إذا زنا بأربع شيء من النساء.