فهرس الكتاب

الصفحة 1858 من 8426

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا مُجْمَلَةٌ بِغَيْرِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهَا تَقْتَضِي جَوَازَ كُلِّ بَيْعٍ مِنْ غَرَرٍ، وَمَعْدُومٍ، وَغَيْرِهِ. وَقَدْ وَرَدَتِ السُّنَّةُ بِالْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ الْغَرَرِ، وَالْمُلَامَسَةِ، وَالْمُنَابَذَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ فَصَارَتِ السُّنَّةُ مُعَارِضَةً لَهَا، فَوَقَعَ الْإِجْمَالُ فِيهَا بِغَيْرِهَا. فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهَا مُجْمَلَةٌ بِنَفْسِهَا عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، أَوْ بِغَيْرِهَا عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا:

هَلْ وَقَعَ الْإِجْمَالُ فِي صِيغَةِ لَفْظِهَا وَفِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ بِهَا؟

أَوْ وَقَعَ الْإِجْمَالُ فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ بِهَا دُونَ صِيغَةِ لَفْظِهَا؟

عَلَى وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْإِجْمَالَ فِي الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، لِأَنَّ لَفْظَ الْبَيْعِ، اسْمٌ لُغَوِيٌّ لَمْ يَرِدْ مِنْ طَرِيقِ الشَّرْعِ، وَمَعْنَاهُ مَعْقُولٌ، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا قَامَ بِإِزَائِهِ مَا يُعَارِضُهُ تَدَافَعَ الْعُمُومَانِ، وَلَمْ يَتَعَيَّنِ الْمُرَادُ مِنْهُمَا إِلَّا بالسنة، صارا مُجْمَلَيْنِ لِهَذَا الْمَعْنَى، لِأَنَّ اللَّفْظَ مُشْكِلُ الْمَعْنَى.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ اللَّفْظَ مُجْمَلٌ، وَالْمَعْنَى الْمُرَادُ بِهِ مُشْكِلٌ، لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنِ الْمُرَادُ بِاللَّفْظِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَصَارَ مُضَمَّنًا بِشَرَائِطَ لَمْ تَكُنْ مَعْقُولَةً فِي اللُّغَةِ، خَرَجَ اللَّفْظُ بِالشَّرَائِطِ عَنْ مَوْضُوعِهِ فِي اللُّغَةِ إِلَى مَا اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ شَرَائِطُ الشَّرْعِ، وَإِنْ كَانَ له في اللغة معاني مَعْقُولَةٌ، كَمَا قُلْنَا فِي الصَّلَاةِ: إِنَّهَا مُجْمَلَةٌ، لِأَنَّهَا مُضَمَّنَةٌ بِشَرَائِطَ لَمْ تَكُنْ مَعْقُولَةٌ فِي اللغة، وإن كان فيها معاني مَعْقُولَةٌ فِي اللُّغَةِ كَالْخُضُوعِ وَمَا يَقَعُ فِيهَا مِنَ الدُّعَاءِ، فَكَذَلِكَ لَفَظُ الْبَيْعِ.

وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ لَا يَجُوزُ الِاسْتِدْلَالُ بِهَا عَلَى صِحَّةِ بَيْعٍ مِنْ فَسَادِهِ، وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى إِبَاحَةِ الْبَيْعِ فِي أَصْلِهِ.

وَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَ الْعُمُومِ وَالْمُجْمَلِ، حَيْثُ جَازَ الِاسْتِدْلَالُ بِظَاهِرَةِ الْعُمُومِ، وَلَمْ يَجُزِ الِاسْتِدْلَالُ بِظَاهِرِ الْمُجْمَلِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

فصل:

والقول الثالث: أنه داخل فيهما جميعا، فيكون عُمُومًا دَخَلَهُ الْخُصُوصُ، وَمُجْمَلًا لَحِقَهُ التَّفْسِيرُ، لِقِيَامِ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِمَا.

فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وَجْهِ دُخُولِ ذَلِكَ فِيهِمَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّ الْعُمُومَ فِي اللَّفْظِ وَالْإِجْمَالَ فِي الْمَعْنَى.

فَيَكُونُ اللَّفْظُ عُمُومًا دَخَلَهُ الْخُصُوصُ، وَالْمَعْنَى مُجْمَلًا لَحِقَهُ التَّفْسِيرُ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْعُمُومَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} وَالْإِجْمَالُ فِي آخِرِهَا، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {وَحَرَّمَ الربا} فَيَكُونُ أَوَّلُ الْآيَةِ عَامًّا دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ، وَآخِرُهَا مُجْمَلًا لَحِقَهُ التَّفْسِيرُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت