أَمَّا الزِّمَامُ وَالْخِزَامُ فَهُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ بنو إسرائيل من زم الأنوف، وخزم الترابي وأما الرهبانية فهو اجتناب النساء وترك اللحم.
وأما السياحة فهو تَرْكُ الْأَمْصَارِ وَلُزُومُ الصَّحَارِي.
وَأَمَّا التَّبَتُّلُ فَهُوَ الْوَحْدَةُ وَالِانْقِطَاعُ عَنِ النَّاسِ؛ وَلِأَنَّ سَائِرَ الْأُمَمِ عَلَيْهِ مُجْمِعَةٌ وَالضَّرُورَةُ إِلَيْهِ دَاعِيَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ غَضِّ الطَّرْفِ وَتَحْصِينِ الْفَرَجِ وَبَقَاءِ النَّسْلِ وَحِفْظِ النَّسَبِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَتْ مَنَاكِحُ الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ: نِكَاحُ الرَّايَاتِ، وَنِكَاحُ الرَّهْطِ وَنِكَاحُ الِاسْتِنْجَادِ وَنِكَاحُ الْوِلَادَةِ.
فَأَمَّا نِكَاحُ الرَّايَاتِ فَهُوَ أَنَّ الْعَاهِرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَتْ تَنْصِبُ عَلَى بَابِهَا رَايَةً لِيَعْلَمَ المار بها عهرها فيزني بها فقد قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى: وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وبَاطِنَهُ) الأنعام: 120) تأويلين:
أحدهما: أن ظاهر الإثم أولات الرايات من الزواني وباطنه ذوات الأخذان (لأنهن كن يستحللنه سرًا) وَهُوَ قَوْلُ السُّدِّيِّ وَالضَّحَّاكِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ ظَاهِرَهُ مَا حُظِرَ مِنْ نِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ، وَبَاطِنَهُ الزِّنَا، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
وَأَمَّا نكاح الرهط فهو أن الْقَبِيلَةَ أَوِ الْقَبَائِلَ كَانُوا يَشْتَرِكُونَ فِي إِصَابَةِ الْمَرْأَةِ فَإِذَا جَاءَتْ بِوَلَدٍ أُلْحِقَ بِأَشْبَهِهِمْ بِهِ.
وأما النكاح الِاسْتِنْجَادِ فَهُوَ أَنَّ الْمَرْأَةَ كَانَتْ إِذَا أَرَادَتْ ولدًا نجدًا تحسبًا، بذلت نفسها لتجيب كل قبيلة وسيدها فلا تلد إلا تحسبًا بِأَيِّهِمْ شَاءَتْ.
وَأَمَّا نِكَاحُ الْوِلَادَةِ فَهُوَ النِّكَاحُ الصَّحِيحُ الْمَقْصُودُ لِلتَّنَاسُلِ الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:"وُلِدْتُ مِنْ نِكَاحٍ لَا مِنْ سفاحٍ"فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ يَنْقُلُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السلام من الأصلاب الذاكية إِلَى الْأَرْحَامِ الطَّاهِرَةِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي قَوْله تَعَالَى: وَتَقَلُّبكَ فِي السَّاجِدِينَ) الشعراء: 219) قَالَ مِنْ نَبِيٍّ إِلَى نَبِيٍّ حَتَّى جَعَلَكَ نبيًا وكان نور النبوة في أيامه ظَاهِرًا، حَتَّى حُكِيَ أَنَّ كَاهِنَةً بِمَكَّةَ يُقَالُ لها فاطمة بنت الهرم قَرَأَتِ الْكُتُبَ فَمَرَّ بِهَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَمَعَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ يُرِيدُ أَنْ يُزَوِّجَهُ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ فَرَأَتْ نُورَ النُّبُوَّةِ فِي وَجْهِ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَتْ: هَلْ لَكَ أَنْ تَغْشَانِي وتأخذ مثل الإبل فقال عبد الله.
(أما الحرامُ فلممات دُونَهُ ... وَالْحِلُّ لَا حِلَّ فَاسْتَبِينُهُ)