فهرس الكتاب

الصفحة 4152 من 8426

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَ الْيَهُودِيَّةَ مِنَ الْبَيْعَةِ وَالنَّصْرَانِيَّةَ مِنَ الْكَنِيسَةِ وَالْمُسْلِمَةَ مِنَ الْمَسْجِدِ، وإن كانت بيوتًا تقصر للعبادة التي لا يجوز أن يمنع من واجباتها؛ لأنها قد توافي فِي مَنَازِلِ أَهْلِهَا وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ:"لَا تَحِلُّ الْمَرْأَةُ بَيْتًا وَلَا تخرج من بيت زوجها كاره"ولأنها قَدْ تُفَوِّتُ عَلَيْهِ الِاسْتِمْتَاعَ فِي زَمَانِ الْخُرُوجِ فَكَانَ لَهُ مَنْعُهَا لِاسْتِيفَاءِ حَقِّهِ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا.

فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أنه قال:"لا يمنعن إِمَاء اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ"فَعَنْهُ جَوَابَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَمْنَعُهَا مَنْعَ تَحْرِيمٍ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَظُنَّ أَنَّ مَنْعَهُنَّ مِنْ إِتْيَانِ الْمَسَاجِدِ وَاجِبٌ.

وَالثَّانِي: أَنَّ الرِّوَايَةَ"لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسْجِدَ اللَّهِ"يُرِيدُ بِهِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فِي حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ هَكَذَا يَمْنَعُهَا مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى الْأَعْيَادِ، ثُمَّ إِذَا كَانَ لَهُ مَنْعُهَا مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى هَذِهِ العبادات كان بأن يمنعها من الخروج بغير العبادات أولى.

قال الشافعي:"وَيَمْنَعُهَا مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ وَأَكْلِ الْخِنْزِيرِ إِذَا كَانَ يَتَقَذَّرُ بِهِ وَمِنْ أَكْلِ مَا يَحِلُّ إذا تأذى بريحه".

قال الماوردي: أما الذِّمِّيَّةُ فَلِلزَّوْجِ أَنْ يَمْنَعَهَا أَنْ تَشْرَبَ الْخَمْرَ والنبيذ وما يسكرها لأمرين:

أحدهما: ربما أنه خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ سُكْرِهَا.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ قد رُبَّمَا مَنَعَتْهُ فِي السُّكْرِ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا فَصَارَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَمْرَيْنِ غَيْرَ مُمَكَّنٍ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ فَلِذَلِكَ جَازَ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْهُ قولًا واحدًا، فأما إذا أَرَادَتْ أَنْ تَشْرَبَ مِنَ الْخَمْرِ وَالنَّبِيذِ مَا لا يسكرها فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:

أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أنَّ لَهُ مَنْعَهَا مِنْ يَسِيرِهِ الَّذِي لَا يُسْكِرُ كَمَا يَمْنَعُهَا مِنْ كَثِيرِهِ الَّذِي يُسْكِرُ؛ لِأَنَّ حَدَّ الْمُسْكِرِ مِنْهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وربما أسكرها اليسير ولم يسكرها الكثير؛ لأن السكر يختلف باختلاف الأمزجة والأهوية فَالْمَحْرُورُ يُسْكِرُهُ الْقَلِيلُ، وَالْمَرْطُوبُ لَا يُسْكِرُهُ إِلَّا الْكَثِيرُ، وَإِذَا بَرَدَ الْهَوَاءُ وَاشْتَدَّ أَسْكَرَ الْقَلِيلُ وَإِذَا حَمِيَ الْهَوَاءُ لَمْ يُسْكِرْ إِلَّا الْكَثِيرُ، فلم يجز مع اختلافه أن يغترف حَال قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ.

وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حامد الإسفراييني لما لم يذكر أَمَارَة تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ بَعْدَهَا مُسْكِرَةٌ وَهَذَا الْقَدَرُ لَا يَمْنَعُ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ، وَلَكِنْ رُبَّمَا عَافَتْهُ نُفُوسُ الْمُسْلِمِينَ لَا سِيَّمَا مَنْ قَوِيَ دِينُهُ، وَكَثُرَ تَحَرُّجُهُ فَيَصِيرُ مَانِعًا لَهُ من كمال الاستمتاع، فيحرم جَوَازُ مَنْعِهَا مِنْهُ عَلَى قَوْلَيْنِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت