فهرس الكتاب

الصفحة 4803 من 8426

بِيَقِينٍ هَذَا فِي الْوَرَعِ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهُ فِي الْحُكْمِ أَنْ يَرْتَجِعَ إِذَا شَكَّ فِي الْوَاحِدَةِ، وَلَا أَنْ يَعْتَزِلَ أَوْ يُطْلِّقَ بِالْيَقِينِ فِي أَصْلِ النِّكَاحِ، وَاسْتِدَامَةِ إِبَاحَتِهِ.

(فَصْلٌ:)

وَإِنْ كَانَ الشَّكُّ فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ مَعَ يَقِينِ وُقُوعِهِ، مِثْلَ أَنْ يَشُكَّ هَلْ طَلَّقَ وَاحِدَةً أَوْ ثَلَاثًا، لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا الْيَقِينُ وَهُوَ الْأَقَلُّ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ.

وَقَالَ مَالِكٌ: يَلْزَمُ أَكْثَرُ مَا شَكَّ فِيهِ وَهُوَ الثَّلَاثُ، فَلَا تَحِلُّ إِلَّا بَعْدَ زَوْجٍ.

فَإِذَا تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ ثُمَّ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً طُلِّقَتْ ثَلَاثًا؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ طَلَّقَهَا فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ اثْنَتَيْنِ فَبَقِيَتْ مَعَهُ عَلَى وَاحِدَةٍ، فَإِذَا تَزَوَّجَهَا ثَالِثَةً بَعْدَ زَوْجٍ ثَانٍ وَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً طُلِّقَتْ مِنْهُ ثَلَاثًا؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَدْ طَلَّقَهَا فِي النِّكَاحِ الْأَوَّلِ وَاحِدَةً، وَيُسَمَّى الطَّلَاقُ الدُّولَابِيُّ. وَاسْتَدَلَّ عَلَى الْتِزَامِهِ مَعَ الشَّكِّ حُكْمَ الْأَكْثَرِ، بِأَنَّ الشَّكَّ فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ يُوجِبُ تَغْلِيبَ الْحَظْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ، كَمَنِ اخْتَلَطَتْ أُخْتُهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ حُرِّمَ عَلَيْهِ نِكَاحُهَا؛ تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ، وَكَمَنَ أَصَابَ ثَوْبَهُ نَجَاسَةٌ فَلَمْ يَعْرِفْ مَوْضِعَهَا، غسل جميعه تغليبا للنجاسة.

وكمن طلق أحدى زوجتيه، ولم يعرفها حرمتا على التأبيد تغليبًا لحكم الطلاق، كذلك إذا شك في عدد الطلاق لزمه الأكثر تغليبًا للطلاق.

وَدَلِيلُنَا مَعَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْخَبَرَيْنِ، أَنَّهُ شَكٌّ فِي طَلَاقٍ فَلَمْ يُحْكَمْ بِوُقُوعِهِ، كَالشَّكِّ في اصل الطلاق، ولأن كلما لَوْ وَقَعَ الشَّكُّ فِي أَصْلِهِ بُنِيَ عَلَى الْيَقِينِ، وَجَبَ إِذَا وَقَعَ فِي عَدَدِهِ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى الْيَقِينِ كَالصَّلَاةِ، وَلِأَنَّهُ إِسْقَاطُ حَقٍّ فَلَمْ يَلْزَمِ الشَّكُّ كَالْإِبْرَاءِ.

فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِتَغْلِيبِ الْحَظْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ فَهُوَ أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ مَعَ اجْتِمَاعِهِمْ دُونَ الشَّكِّ فِيهِمَا، وأن لا أصل تَغْلِيبُ حُكْمٍ.

فَأَمَّا الثَّوْبُ إِذَا شَكَّ فِي مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ ومنه فَغَلَّبَهُ عَلَى جَمِيعِهِ لِأَنَّ وُقُوعَ النَّجَاسَةِ فِيهِ قَدْ يَمْنَعُ الصَّلَاةَ فِيهِ، فَلَمْ يَسْتَبِحْهَا فِيهِ إِلَّا بِيَقِينِ طَهَارَةٍ، فَكَذَلِكَ عَلَى جَمِيعِهِ وَأَمَّا أُخْتُهُ وَأَجْنَبِيَّةٌ، فَلِأَنَّ التَّحْرِيمَ قَدْ ثَبَتَ فَلَمْ يَسْتَبِحْ أَحَدَهُمَا بِالشَّكِّ.

وَكَذَلِكَ إِذَا شَكَّ فِي الْمُطَلَّقَةِ مِنْ زَوْجَتَيْهِ وَلَيْسَ كَالشَّكِّ فِي الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ تَحْرِيمُ الثَّلَاثِ، فَلَمْ يَلْزَمْ تَحْرِيمُهَا بِالشَّكِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(مسألة:)

قال الشافعي: (وَلَوْ قَالَ حَنِثْتُ بِالطَّلَاقِ أَوْ فِي الْعِتْقِ وَقَفَ عَنْ نِسَائِهِ وَرَقِيقِهِ حَتَى يُبَيِّنَ وَيَحْلِفَ لِلَّذِي يَدَّعِي فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ فَإِنْ خَرَجَ السَّهْمُ عَلَى الرَّقِيقِ عَتَقُوا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى النِّسَاءِ لَمْ يُطَلَّقْنَ وَلَمْ يَعْتِقِ الرَّقِيقُ وَالْوَرَعُ أَنْ يدعن ميراثه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت