أَسْئِلَتِهِ: لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَدْ أَثْبَتَ رِدَّتَهُ فِي حَالِ سُكْرِهِ وَإِنْ مَنَعَ مِنِ اسْتِتَابَتِهِ فِي سُكْرِهِ فَصَارَ مُؤَاخَذًا بِالرِّدَّةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُؤَاخَذًا بِالطَّلَاقِ، فَأَمَّا اسْتِتَابَتُهُ فَفِي تَأْخِيرِهَا إِلَى صَحْوِهِ قَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهَا عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ تَأْخِيرَهَا اسْتِحْبَابٌ وَاحْتِيَاطٌ وَلَوِ اسْتَتَابَهُ فِي سُكْرِهِ صَحَّ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ أَجْرَى عَلَيْهِ حُكْمَ الصَّاحِي فِيمَا لَهُ وَعَلَيْهِ.
وَالْوَجْهُ الثاني: أن تأخيرها إلى أناقته وَاجِبٌ وَهَذَا قَوْلُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ لِأَنَّ الرِّدَّةَ عَلَيْهِ فَكَانَ مَأْخُوذًا بِهَا وَالتَّوْبَةُ لَهُ فَلَمْ تَصِحَّ مِنْهُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالتَّوْبَةِ زَوَالُ الشُّبْهَةِ وَوُضُوحُ الْحَقِّ وَالسَّكْرَانُ يُعَارِضُهُ الشُّبَهُ وَيَخْفَى عَلَيْهِ الْحَقُّ فَلِذَلِكَ رِدَّتُهُ وَلَمْ تَصِحَّ تَوْبَتُهُ مَعَهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قال الشافعي رضي الله عنه: (وَلَوْ تَظَاهَرَ مِنْهَا ثُمَّ تَرَكَهَا أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَهُوَ مُتَظَاهِرٌ وَلَا إِيلَاءَ عَلَيْهِ يُوقَفُ لَهُ لَا يَكُونُ الْمُتَظَاهِرُ بِهِ مُولِيًا ولا المولى بالإيلاء متظاهرا وهو مطيع لله تعالى بترك الجماع في الظهار عاص له لو جامع قبل أن يكفر وعاص بالإيلاء وسواء كان مضارًا بترك الكفارة أو غير مضار إلا أنه يأثم بالضرار كما يأثم لو آلى أقل من أربعة أشهر يريد ضرارًا ولا يحكم عليه بحكم الإيلاء ولا بحال حكم الله عما أنزل فيه) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا تَظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ بِعَوْدِهِ وَمُنِعَ مِنْ إِصَابَتِهَا إِلَّا بِتَكْفِيرِهِ فَأَخَّرَ الْكَفَّارَةَ حَتَّى مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ لَمْ يَصِرْ مُولِيًا وَلَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ حُكْمُ الْإِيلَاءِ سَوَاءً قَصَدَ الْإِضْرَارَ بِهَا أَوْ لَمْ يَقْصِدْ. وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ قَصَدَ الْإِضْرَارَ بِهَا مِنْ غَيْرِ ظِهَارٍ صَارَ مُولِيًا، وَكَذَلِكَ لَوْ تَرَكَ إِصَابَتَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ قَصْدَ الْإِضْرَارَ بِهَا مِنْ غَيْرِ ظِهَارٍ صَارَ مُولِيًا اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ الْمُولِيَ قَاصِدٌ لِلْإِضْرَارِ بِهَا بِالِامْتِنَاعِ مِنْ إِصَابَتِهَا فَكَذَلِكَ كُلُّ زَوْجٍ قَصَدَ الْإِضْرَارَ بِالِامْتِنَاعِ، وَهَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ الْإِيلَاءَ يَمِينٌ فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهَا بِقَصْدِ الْإِضْرَارِ كَسَائِرِ الْأَيْمَانِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُولِيًا بِقَصْدِ الْإِضْرَارِ لَكَانَ مُولِيًا وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ كَالْحَالِفِ، وَلِأَنَّ الظِّهَارَ وَالْإِيلَاءَ مُتَنَافِيَانِ فِي الْحُكْمِ لِأَنَّ الظِّهَارَ يَمْنَعُ مِنَ الْوَطْءِ حَتَّى يُكَفِّرَ وَإِنْ وَطِئَ كَانَ عَاصِيًا، وَالْإِيلَاءُ يُوجِبُ الْوَطْءَ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ وَإِنْ وَطِئَ كَانَ طَائِعًا فَلَمْ يَجُزْ مَعَ تَنَافِي حُكْمِهِمَا أَنْ يَتَدَاخَلَا وَلَوْ جَازَ أَنْ يَتَدَاخَلَا فَيَصِيرُ الْمُتَظَاهِرُ مُولِيًا لَجَازَ أَنْ يَصِيرَ الْمُولِي مُتَظَاهِرًا وَفِي فَسَادِ هَذَا الْعَكْسِ دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ هَذَا الطَّرْدِ.
فَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ الْإِيلَاءَ قَصْدٌ لِلْإِضْرَارِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ الْمُولِيَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِصَابَةِ بَعْدَ الْوَقْفِ إِلَّا بِأَنْ يَلْتَزِمَ مَا لَيْسَ بِلَازِمٍ وَمَنْ أَخَّرَ الْوَطْءَ فِي الظِّهَارِ فَلَيْسَ يَلْتَزِمُ إِنْ وَطِئَ مَا لَيْسَ بِلَازِمٍ فَلَمْ يكن موليًا.