فهرس الكتاب

الصفحة 5057 من 8426

والحالة الثانية: أن تكون منكر لِلزِّنَا لَكِنَّهُ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهَا بِالزِّنَا. فَيَسْقُطُ عَنْهُ حَدُّ الْقَذْفِ وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ قَبْلَ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَبَعْدَهَا لِرَفْعِ الْفِرَاشِ وَنَفْيِ النَّسَبِ، وَقَالَ بَعْضُ التَّابِعِينَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُلَاعِنَ مَعَ وُجُودِ الْبَيِّنَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ} [النور: 6] .

وَالدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَاعَنَ بَيْنَ الْعَجْلَانِيِّ وَامْرَأَتِهِ وَبَيْنَ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ وَزَوْجَتِهِ وَلَمْ يَسْأَلْهُمَا أَلَكُمَا بَيِّنَةٌ أَمْ لَا؟ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِهِ فِي الْحَالَيْنِ، وَلِأَنَّ اللِّعَانَ يُفِيدُ مَا لَا تُفِيدُهُ الشَّهَادَةُ مِنْ رَفْعِ الْفِرَاشِ وَنَفْيِ النَّسَبِ فَصَارَتِ الشَّهَادَةُ مَقْصُورَةً عَلَى إِسْقَاطِ حَقِّهَا وَفِي اللِّعَانِ إِثْبَاتُ حَقِّهِ وَإِسْقَاطُ حَقِّهَا فَجَازَ مَعَ وُجُودِهَا لِعُمُومِ حُكْمِهِ، فأما الآية فخارجة مخرج الشرط لا مخرج الخبر.

والحالة الثَّالِثَةُ: أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُصَدِّقَةٍ لَهُ وَلَيْسَ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَيْهَا بِالزِّنَا فَيَجُوزُ أَنْ يُلَاعِنَ بِإِجْمَاعٍ، وَهِيَ الْحَالُ الَّتِي لَاعَنَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَيْنَ الْعَجْلَانِيِّ وَامْرَأَتِهِ وَبَيْنَ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ وَزَوْجَتِهِ وَلَيْسَ اللِّعَانُ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ وَإِنْ جَازَ لَهُ وَلَا إِذَا لَاعَنَ وَجَبَ اللِّعَانُ عَلَيْهَا وَإِنْ جَازَ أَنْ تُلَاعِنَ بَلِ الزَّوْجُ بِالْخِيَارِ فِي لِعَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يُلَاعِنْ حُدَّ لِلْقَذْفِ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهَا وَلَا لِعَانَ، وَإِنْ لَاعَنَ الزَّوْجُ سَقَطَ عَنْهُ حَدُّ الْقَذْفِ وَوَجَبَ حَدُّ الزِّنَا عَلَيْهَا، فَإِنْ لَاعَنَه سَقَطَ عَنْهَا حَدُّ الزِّنَا، وَلَا يُجْبَرُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى اللِّعَانِ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: اللِّعَانُ وَاجِبٌ عَلَيْهَا، فَإِنِ امْتَنَعَ الزَّوْجُ مِنَ اللِّعَانِ يُحْبَسُ حَتَّى يُلَاعِنَ فَإِذَا لَاعَنَ وَجَبَ اللِّعَانُ عَلَى الزَّوْجَةِ، فَإِنْ لَاعَنَتْ وَإِلَّا حُبِسَتْ حَتَّى تُقِرَّ وَلَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا.

وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى وُجُوبِ اللِّعَانِ عَلَيْهِمَا وَسُقُوطِ الْحَدِّ عَنْهُمَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ} [النور: 6] الْآيَةَ وَفِيهَا دَلِيلَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَابَلَ الْقَذْفَ بِاللِّعَانِ فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِهِ.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يُورِدْ لِلْحَدِّ ذِكْرًا فَدَلَّ عَلَى سُقُوطِهِ، قَالَ: وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْحَدِّ زِيَادَةٌ عَلَى النَّصِّ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ تَكُونُ نَسْخًا، وَالنَّسْخُ لَا يَثْبُتُ بِقِيَاسٍ وَلَا اسْتِدْلَالٍ، قَالَ: وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَى اللِّعَانِ فِي قَذْفِ الْأَزْوَاجِ وَعَلَى الْحَدِّ فِي قَذْفِ الْأَجَانِبِ، فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ نَقْلُ اللِّعَانِ إِلَى الْأَجَانِبِ لَمْ يَجُزْ نَقْلُ الْحَدِّ إِلَى الْأَزْوَاجِ، قَالَ: وَلِأَنَّ قَذْفَ الزَّوْجِ لَوْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْحَدَّ لَمَا جَازَ لَهُ إِسْقَاطُهُ بِنَفْسِهِ، وَلَوْ وَجَبَ حَدُّ الزِّنَا عَلَيْهَا كَالْبَيِّنَةِ لَمَا كَانَ لَهَا سَبِيلٌ إِلَى إِسْقَاطِهِ عَنْهَا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْحَدَّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمَا، قَالَ: وَلِأَنَّ اللِّعَانَ الْقَذْفُ فَلَوْ كَانَ الْحَدُّ قَدْ وَجَبَ بِالْقَذْفِ لَمَا سَقَطَ بِتَكْرَارِ الْقَذْفِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت