فهرس الكتاب

الصفحة 5503 من 8426

وَالثَّانِي: أَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجِيَّةِ لَا تَتَبَعَّضُ، لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى زَوْجَيْنِ فَوَجَبَ أَلَّا تَتَبَعَّضَ باختلاف الحكمين، فلم يبق فيها من الْأَقْوَالِ إِلَّا أَنْ يَغْلِبَ فِيهَا حُكْمُ الرِّقِّ مع كثرة أحكامه وقوة شواهده، أما اسْتِشْهَادُهُ بِمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي إِطْعَامِهِ في الكفار فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْجَوَابِ عَنْ نَصِّهِ على ثلاثة أوجه:

أحدهما: أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي الْقَدِيمِ. إِنَّ الْعَبْدَ يَمْلِكُ إِذَا مُلِّكَ فَصَارَ بِالتَّمْلِيكِ فِي حُكْمِ مَنْ عَتَقَ جَمِيعُهُ. فَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إِذَا مُلِّكَ فَلَا يُكَفِّرُ إِلَّا بِالصِّيَامِ.

وَالثَّانِي: أَنَّ السَّيِّدَ يَحْمِلُ عَنْهُ الْكَفَّارَةَ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْهُ إِلَّا بِالْإِطْعَامِ دُونَ الصِّيَامِ. لِأَنَّ الصِّيَامَ لَا يَصِحُّ فِيهِ التَّحَمُّلُ وَيَصِحُّ فِي الْإِطْعَامِ.

وَالثَّالِثُ: أَنْ يَغْلِبَ فِيهِ حُكْمُ الْحَرِيَّةِ عَلَى الْأَحْوَالِ، لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَبَعَّضَ بِخُرُوجِهِ عَنِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الْكَفَّارَةِ وَوَجَبَ رَدُّهُ إِلَى تَغْلِيبِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ كَانَ تَغْلِيبُ الْحُرِّيَّةِ فِيهِ أَوْلَى مِنْ تَغْلِيبِ الرِّقِّ، لِأَنَّ مَنْ فَرْضُهُ الْإِطْعَامُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُكَفِّرَ بِالصِّيَامِ، وَيَجُوزُ لِمَنْ فَرْضُهُ الصِّيَامُ أَنْ يُكَفِّرَ بِالْإِطْعَامِ، وَهَذَا يَمْنَعُ مِنْ رَدِّ نَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ إِلَى التَّبْعِيضِ وَيُوجِبُ تَغْلِيبَ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ وَهُوَ بِخِلَافِ مَا قَالَهُ الْمُزَنِيُّ فَلَمْ يَصِحَّ اسْتِشْهَادُهُ بِهِ.

وَأَمَّا اسْتِشْهَادُهُ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ فِي تَبْعِيضِهَا فَيَدْفَعُهُ زَكَاةُ الْمَالِ فِي تَغْلِيبِ الرِّقِّ فِي إِسْقَاطِهَا، ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَ زَكَاةِ الْفِطْرِ وَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ تَتَبَعَّضُ فِي الْتِزَامِ الشُّرَكَاءِ لَهَا، وَنَفَقَةَ الزَّوْجِيَّةِ لَا تَتَبَعَّضُ لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يَتَحَمَّلَهَا زَوْجَانِ مُشْتَرِكَانِ، وَأَمَّا اسْتِشْهَادُهُ بِأَنَّهُ يَتَبَعَّضُ فِي مِيرَاثِ مَالِهُ، فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ إِنَّهُ لَا يَرِثُ وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ هَلْ يُورَثُ عَلَى قَوْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ: وَبِهِ قَالَ مالك إنه لا يورث لم يرث، وَيَكُونُ جَمِيعُ مَالِهِ لِسَيِّدِهِ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الرِّقِّ فَعَلَى هَذَا يَسْقُطُ الِاسْتِشْهَادُ بِهِ.

وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ إِنَّهُ يُورَثُ بِقَدْرِ حُرِّيَّتِهِ وَإِنْ لَمْ يَرِثْ بِهَا، لِأَنَّهُ لَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يُورَثَ مَنْ لَا يَرِثُ، لِأَنَّ الْجَنِينَ إذا سقط ميتًا بجانية كَانَ مَوْرُوثًا وَلَمْ يَكُنْ وَارِثًا، ثُمَّ لَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى تَبْعِيضِ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ، لِأَنَّ الْمِيرَاثَ يَتَبَعَّضُ وَنَفَقَةَ الزَّوْجَةِ لَا تَتَبَعَّضُ وَاللَّهُ أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت