فهرس الكتاب

الصفحة 6722 من 8426

قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ يَعْنِي: أَبَا أُسَامَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أبي حازم، عم جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ؛ كَانَتْ بَجِيلَةُ رُبْعَ النَّاسِ، فَقُسِّمَ لَهُمْ رُبْعُ السَّوَادِ، فَاسْتَغَلُّوهُ ثَلَاثًا، أَرْبَعَ سِنِينَ شَكَّ الشَّافِعِيُّ فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ، وَمَعِي فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ امْرَأَةٌ مِنْهُمْ قَدْ سَمَّاهَا، وَلَمْ يَحْضُرْنِي ذِكْرُ اسْمِهَا، فقال عمر:"لولا أني قاسم مسؤول لَتَرَكْتُكُمْ عَلَى مَا قُسِّمَ لَكُمْ، وَلَكِنْ أَرَى أَنْ تَرُدُّوا عَلَى النَّاسِ". قَالَ الشَّافِعِيُّ:"وَكَانَ فِي حَدِيثِهِ وَعَافِنِي مِنْ حَقِّي نَيِّفًا وَثَمَانِينَ دِينَارًا، وَفِي الْحَدِيثِ: فَقَالَتْ فُلَانَةُ: قَدْ شَهِدَ أَبِي الْقَادِسِيَّةَ، وَثَبَتَ سَهْمُهُ، وَلَا أُسْلِمُ حَتَّى تُعْطِيَنِي كَذَا وَكَذَا، فَأَعْطَاهَا إِيَّاهُ."

وَرَوَى غَيْرُ الشَّافِعِيِّ، فَقَالَتْ أُمُّ كُرْزٍ: لَا أَنْزِلُ عَنْ حَقِّي حَتَّى تَحْمِلَنِي عَلَى نَاقَةٍ ذَلُولٍ عَلَيْهَا قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ، وَتَمْلَأَ كَفِّي ذَهَبًا، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهَا، فَكَانَ مَا أَعْطَاهَا مِنَ الْعَيْنِ ثَمَانِينَ دِينَارًا فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ السَّوَادَ فُتِحَ صُلْحًا، فَقَدْ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ إِلَيْهِ فِي كِتَابِ قَسْمِ الْفَيْءِ، وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ عُمَرَ انْتَزَعَهُ مِنْ أَيْدِي الْغَانِمِينَ حِينَ عَلِمَ بِحُصُولِهِ مَعَهُمْ، وَلَوْ كَانَ عَنْوَةً لَكَانَ غَنِيمَةً لَهُمْ، وَلَمْ يَجُزِ انْتِزَاعُهُ مِنْهُمْ.

والثاني: قول عمر: لولا أني قاسم مسؤول لَتَرَكْتُكُمْ عَلَى مَا قُسِّمَ لَكُمْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ انْتَزَعَهُ مِنْهُمْ بِحَقٍّ لَمْ يَسْتَجِزْ تَرْكُهُ مَعَهُمْ، وَهَذَا حُكْمُ الصُّلْحِ دُونَ الْعَنْوَةِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ فَتْحَ السَّوَادِ عَنْوَةٌ، وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْمَنْقُولِ عَنْهُ فِي أَكْثَرِ كُتُبِهِ.

وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَقَرَّ السَّوَادَ فِي أَيْدِي الْغَانِمِينَ ثَلَاثَ سِنِينَ، أَوْ أَرْبَعَ يَسْتَغِلُّونَهُ، وَلَمْ يَنْتَزِعْهُ مِنْهُمْ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ حَقُّ الْغَنِيمَةِ لَمْ يَسْتَجِزْ تَرْكَهُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْمُدَّةَ

وَالثَّانِي: أَنَّهُمُ اقْتَسَمُوهُ قِسْمَةَ الْغَنَائِمِ حَتَّى صَارَ لِبَجِيلَةَ، وَهُمْ رُبْعُ النَّاسِ رُبْعُ السَّوَادِ، وَمَا اقْتَسَمُوهُ إِلَّا بِأَمْرِ عُمَرَ، وَعَنْ عِلْمِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ، وَالْفُتُوحِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي لَا يَسْتَبِدُّ الْجَيْشُ فِيهَا بآرائهم إلا بمطالعته، وأمره.

والثاني؟: أَنَّهُمْ لَوْ تَصَرَّفُوا فِيهِ بِغَيْرِ حَقٍّ لَاسْتَرَدَّ مِنْهُمْ مَا اسْتَغَلُّوهُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ دُونَهُمْ.

وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ عَاوَضَ مَنْ لَمْ يَطِبْ نَفْسًا بِالنُّزُولِ عَنْ سَهْمِهِ بِعِوَضٍ دَفَعَهُ إِلَيْهِمْ، جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ الثَّمَنِ حَتَّى أَعْطَى جَرِيرًا، وَأُمَّ كُرْزٍ مَا أَعْطَى، وَهُوَ لَا يَبْذُلُ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا فِي حَقٍّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت