فهرس الكتاب

الصفحة 7442 من 8426

( [القول في دلائل النسخ] )

وَأَمَّا الْقِسْمُ السَّادِسُ فِي دَلَائِلِ النَّسْخِ: وَهُوَ أَنْ يَرِدَ فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ حُكْمَانِ مُخْتَلِفَانِ: فَهُمَا ضَرْبَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ يُمْكِنَ اسْتِعْمَالُهُمَا وَلَا يَتَنَافَى اجْتِمَاعُهُمَا، فَهُوَ ضَرْبَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَعَمَّ مِنَ الْآخَرِ لِعُمُومِ أَحَدِهِمَا وَخُصُوصِ الْآخَرِ، فَيَقْضِي بِالْأَخَصِّ عَلَى الْأَعَمِّ فَيُسْتَثْنَى مِنْهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة: 221] وَقَالَ فِيمَنْ أَبَاحَ نِكَاحَهُنَّ: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة: 5] فَقَضَى بِهَذِهِ عَلَى تِلْكَ فَصَارَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ إِلَّا الْكِتَابِيَّاتِ فَكَانَ عُمُومًا مَخْصُوصًا وَلَمْ يَكُنْ نَاسِخًا وَلَا مَنْسُوخًا.

وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَتَسَاوَى الِاثْنَانِ فِي جَوَازِ تَخْصِيصِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِالْأُخْرَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ} [النساء: 23] وقوله {والذين هم لفروجهم حافظون إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ} [المؤمنون: 5 - 6] فَجَازَ أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَجَازَ أَنْ يَكُونَ أَبَاحَهُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ إِلَّا الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فَتَكَافَأَ فِي الْجَوَازِ بِخِلَافِ الضَّرْبِ الْمُتَقَدِّمِ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَى دَلِيلٍ يُوجِبُ تَخْصِيصَ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى وَلِذَلِكَ قَالَ عُثْمَانُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ: أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا أُخْرَى وَالتَّحْرِيمُ أَوْلَى، فَهَذَا فِيمَا أَمْكَنَ اسْتِعْمَالُ الْحُكْمَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ فِيهِ. وَأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى التَّخْصِيصِ دُونَ النَّسْخِ إِلَّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى النَّسْخِ، فَيَعْدِلُ بِالدَّلِيلِ عَنِ اسْتِعْمَالِ التَّخْصِيصِ إِلَى النَّسْخِ كَآيَةِ الْوَصَايَا وَآيَةِ الْمَوَارِيثِ، قَدْ كَانَ يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُهُمَا مِنْ غَيْرِ نَسْخٍ لَكِنْ رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا نَسَخَتْ آيَةُ الْمَوَارِيثِ آيَةَ الْوَصَايَا فَعُدِلَ عَنِ اسْتِعْمَالِ التَّخْصِيصِ إِلَى النَّسْخِ.

وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَتَنَافَى الْحُكْمَانِ وَلَا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُهُمَا فَيُعْلَمُ مَعَ التَّنَافِي أَنَّ أَحَدَهُمَا نَاسِخٌ لِلْآخَرِ فَيَرْجِعُ إِلَى دَلَائِلِ النَّسْخِ فَيُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ.

وَهِيَ خَمْسُ دَلَائِلَ مُتَرَتِّبَةٍ يَتَقَدَّمُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ.

فَأَوَّلُهَا: أَنْ يَتَقَدَّمَ أَحَدُهُمَا وَيَتَأَخَّرَ الْآخَرُ فَيُعْلَمُ أَنَّ الْمُتَأَخِّرَ نَاسِخٌ لِلْمُتَقَدِّمِ، فَإِنْ قِيلَ فَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْعِدَّةِ: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] نَاسِخٌ لِقَوْلِهِ {مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} [البقرة: 240] وَهُوَ غَيْرُ مُتَقَدِّمٍ عَلَيْهِ.

قِيلَ هُوَ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ فِي التِّلَاوَةِ وَمُتَأَخِّرٌ عَنْهُ فِي التَّنْزِيلِ وَقَدْ عُدِلَ بِتَرْتِيبِ التِّلَاوَةِ عَنْ تَرْتِيبِ التَّنْزِيلِ بِحَسَبِ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى به للمصلحة التي استأثر الله تعالى بعلمها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت