فهرس الكتاب

الصفحة 7825 من 8426

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا هُوَ الْأَوْلَى فِي صِفَةِ الْيَمِينِ، لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلزَّجْرِ، فَعَدَلَ بِهَا عَنْ مَعْهُودِ الْأَيْمَانِ، فِيمَا يُكْثِرُونَهُ فِي كَلَامِهِمْ مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ عَنْهَا، وَأَمْنَعُ مِنَ الْإِقْدَامِ عَلَيْهَا.

وَأَوْلَى الْأَيْمَانِ الزَّاجِرَةِ مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ أَنْ يَقُولَ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الَّذِي يَعْلَمُ مِنَ السِّرِّ مَا يَعْلَمُ مِنَ العلانية، وقال في الأم {الَّذِي يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ، وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} ، وَهُمَا سَوَاءٌ فِي الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى لِأَنَّ نَسَقَهَا إِلَى الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَدْ تضمنها القرآن، وقوله:"الَّذِي يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، تَنْبِيهًا لِلْحَالِفِ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ بِصِدْقِهِ، وَكَذِبِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ فِي إِحْلَافِهِ مِمَّا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْحُكَّامِ: بِاللَّهِ الطَّالِبِ الْغَالِبِ، الضَّارِّ، النَّافِعِ، الْمُدْرِكِ، الْمُهْلِكِ، جَازَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَسَقِ تِلَاوَتِهَا فِي الْقُرْآنِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَنْبِيهِ الْحَالِفِ عَلَى اسْتِدْفَاعِ مَضَارِّهِ، وَاجْتِلَابِ مَنَافِعِهِ، وَمِنْ زَجْرِ الْحَالِفِ أَنْ يَعِظَهُ الْحَاكِمُ قَبْلَ إِحْلَافِهِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا} [آل عمران: 77] وبقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ:"مَنْ حَلَفَ يَمِينًا كَاذِبَةً، لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امرىء مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ"."

وَحُكِيَ أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ إِلَى الْحَاكِمِ، فَهَمَّ بِالْيَمِينِ، فَلَمَّا وَعَظَهُ بِهَذَا امْتَنَعَ وَأَقَرَّ، وَقَالَ: مَا ظَنَنْتُ أَنَّ الْحَالِفَ يَسْتَحِقُّ هَذَا الْوَعِيدَ.

فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى إِحْلَافِهِ بِاللَّهِ أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَةِ ذَاتِهِ، كَقَوْلِهِ: وَعِزَّةِ اللَّهِ، وَعَظَمَةِ اللَّهِ، جَازَ.

قَدِ اقْتَصَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي إِحْلَافِ رُكَانَةَ عَلَى أَنْ أَحْلَفَهُ بِاللَّهِ، لِأَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ أَسْمَائِهِ، وَقِيلَ: هُوَ اسْمُهُ الْأَعْظَمُ، وَقِيلَ: فِي تَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65] ، أَيْ: مَنْ يَتَسَمَّى بِاللَّهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَسَمَّ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، وَإِنْ تَسَمُّوا بِغَيْرِهِ مِنْ أَسْمَائِهِ.

وَشَذَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، فَقَالَ: لَا يُجْزِئُهُ إِحْلَافُهُ بِاللَّهِ، حَتَّى يُغَلِّظَهَا بِمَا وَصَفْنَا، لِيَخْرُجَ بِهَا عَنْ عَادَتِهِ، وَيُعِيدَهَا الْحَاكِمُ عَلَيْهِ مُغَلَّظَةً.

فَأَمَّا إِحْلَافُهُ بِالْمُصْحَفِ، وَمَا فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ، فَقَدْ حَكَى الشَّافِعِيُّ عَنْ مُطَرِّفٍ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يحلف على المصحف، قال: ورأيت مطرفا بضعا يَحْلِفُ عَلَى الْمُصْحَفِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت