ذلك ولا ينظرني فوالله إن العافية لفي عقابه وان العقاب لفي عافيته وان الموت لخير من الحياة معه، إذا كان هذا الجد منه والحق عنده والسلام.
ولبشر أيضا: أما بعد فان من الناس من تحمّل حاجته أهون من فحش طلبه، ومنهم من حمل عداوته أخف من ثقل صداقته، ومنهم من إفراط لائمته أحسن من قدر مدحته، وان الله خلق فلانا ليغم الدنيا ويقذر به أهلها فهو على قذره فيها من حجج الله على أهلها، فأسأل الذي فتن الأرض بحياته وغم أهلها ببقائه ان يديل بطنها من ظهرها والسلام.
ومن بشر الى الشافعي [1] في عبد الله بن مصعب: أما بعد فانك تسألني عن عبد الله كأنك هممت به إذ سرك القدوم عليه فلا تفعل يرحمك الله، فان الطمع بما عنده لا يخطر على القلب إلا من سوء التوكل على الله عز وجل، وان رجاء ما في يده لا يكون إلا بعد اليأس من روح الله، لأنه يرى الاقتار الذي نهى الله عنه هو الاسراف الذي يعذب الله عليه، وان الصدقة منسوخة، وأن الضيافة مرفوعة، وأن إيثار المرء على نفسه عند الخصاصة إحدى الكبائر الموجبة الهلكة، وكأنه لم يسمع بالمعروف إلا في الجاهلية الأولى الذين قطع الله دابرهم ونهى المسلمين عن اتباع آثارهم، وكأن الرجفة لم تصب أهل مدين عنده إلا لسخاء كان فيهم، ولم يهلك الريح العقيم عادا إلا لتوسع ذكر منهم، وهو يخاف العقاب على الانفاق، ويرجو الثواب على الاقتار، ويعد نفسه الفقر، ويأمرها بالبخل، خيفة أن ينزل به بعض قوارع الظالمين، ويصيبه ما أصاب القوم المجرمين، فأقم يرحمك الله على مكانك، واصطبر على عسرتك وتربص به الدوائر، عسى الله ان يبدلنا واياك خيرا منه زكاة وأقرب رحما والسلام.
ومنه إلى بشّار بن رضابة [2] : أما بعد فاني رأيتك في أول زمانك تغدو على العلماء وتروح عنهم، وتحدث عن الله وعن ملائكته ورسله، وقد أصبحت تحدث عن معن وعن عماّله، وعن أبي مسلم [3] وعن أصحابه، فبئس للظالمين بدلا، فمن
(1) الشافعي: هو الإمام محمد بن إدريس المشهور. ومصعب: هو أبو عبد الله مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام ولاه الرشيد اليمن، قال الامام الشافعي: فسألني أن أخرج معه لعلمه بفقري وفاقتي، فلما صرنا الى اليمن ولاني قضاء نجران. انظر طبقات ابن سمرة 138.
(2) في «ل» : ابن رضية.
(3) راجع أخبار معن بن زائدة ج 3971، وج 3742من «الاكليل» وقرة العيون والأغاني وتفسير الدامغة وابن خلكان وغيرها من كتب الأدب. وأبو مسلم: هو عبد الرحمن الخراساني المشهور الذي مهد الملك لبني العباس.