اثنتين وستين ومائة وأقام بها سنة ونصفا: أما بعد فإنه لما اختلط عليّ من عقلي، واشتبه علي من رأيي وشككت فيه من أمري، فلست أشك في أن الله تبارك وتعالى إذا أراد أن يقدر عليّ رزقي وأن يبتليني بالشدة على عيالي أطلعك على ذات طمعي، ودلّك على وجه طلبي، وجعلك جليسا لأهل حاجتي، ثم ابتلائي بطلبها إليك، فإذا ذكرتها أسفرت وأبشرت، ووعدت من نفسك وعدا حسنا، ففرقت نفقتي لإسفارك، ووسعت على عيالي لإبشارك، وتسلّفت من إخواني لوعدك، فإذا أتيتك منتجزا عبست وبسرت، ثم أدبرت واستكبرت، وقد تصرمت النفقة وانقطع الرجاء وأيست من الطمع (كما يئس الكفار من أصحاب القبور) ، وأعظم ذلك عندي كربا وأشده جهدا أن غيرك يعرض عليّ الحاجة التي طلبتها إليك، فأكره أن تكون إلا بسببك، وأن تجري إلا على يدك، ولعمري ما كان ذلك إلا لسابق العلم في شقوتي بك، فأسأل الله عز وجل الذي جعل جاهك من بليتي وحسن منزلتك من مصابي، وطول حياتك فتنة لعيالي أن ينقلك إلى جنته قبل أن يرتد اليك طرفك والسلام.
ومن بشر إلى آخر: اما بعد، فإني رأيتك في أمر دينك متصنعا مخذولا وفي أمر دنياك فاجرا مثبورا، وفيك خصال لا تجتمع في مسلم إلا بسوء سريرة أو مقارفة كبيرة او إضمار عظيمة، يعم بها اولياء الله ويخص بها ولد رسول الله، ومن آيات ذلك انها تشمئز قلوب أهل الحرمين إذا ذكرت وتقشعر قلوب أهل المصريين إذا مدحت، وأنهم لا يزدادون لك إلا بغضا ولا في الشهادة عليك إلا قطعا، لمعرفتهم بك قديما وعلمهم بحالك صغيرا وكبيرا، فلعمري لئن كنت إلى يومك هذا كما زعموا إنك إذا من المستهزئين، ولئن كنت قد نزعت عما عهدوا ما أخلصت لله إذن توبتك، ولا صدقت نيتك، وإن في إيمانك لضعفا، وإن في نفسك لوهنا، وإن في صدرك لكبرا وإن في قلبك لقساوة، وان في معيشتك لإسرافا، وما أحسبه صح في يدك من زينة الله التي أخرج لعباده وأرزاقه الطيبة التي بسطها على خلقه ما تبلغ به لذة، ولا تقضي به ذمة، لأن ذلك لم يصل إليك إلا ببغي المسلمين، وبطالة المستهزئين، وإفك المفترين، فلا أحسبك إذا كنت بهذا وأشباهه تبرأ بشيء من كسبك عن شيء من دينك إلى أحد من غرمائك، إلا صرت ممن يبرأ من ذلك إلى أهل الأرض غريما لأهل السماء، ولا تصل
بشيء من جمعك أحدا من ذوي قرابتك إلا كانت مسألة الله إياك عن قطيعتهم أهون عليك من محاسبته إياك بما يصل إليهم، ولا تنفق نفقة صغيرة ولا كبيرة إلا وقّعت لك في سجين، ولا ترفع منزلة إلا هبطت بك في أسفل السافلين، وما سلم قلبك حتى عرفت به وصليت في المشرق إلا من ضعف قلبك، ولا صح عقلك حتى رجب (1)
أهلك إلا من قلّة عقلك ولو نفرت في الأرض حيران على وجهك أو سرت إلى الجبال هاربا من خطيئتك أو ترممت (2) العظام مع الكلاب، أو ولغت فضول الماء مع السباع لكان ذلك بقدر جرمك خفضا ودعة من جنائك وبقدر عملك رغدا من معيشتك، ولو ابيضت عيناك من الحزن، وعضضت على يديك فأبنتهما من الغبن وتقطع قلبك من الهم أو ذهبت نفسك حسرات لما كان ذلك أرش ما جرحت به من دينك ولا نذر ما لويت به من أمانتك ولا قيمة ما فاتك من ربك فإذا بلغت من نفسك المسكينة ما بلغت ورضيت عنك نفسك الضعيفة ما صنعت فلا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد ملوما مخذولا.