ومن الأمثلة التي ساقها ابن الجزري في بعض التراجم ما جرى من امتحان في دمشق لشغل منصب كرسي الإقراء الذي خلا يومئذ بموت متوليه بها أبي الحسن السخاوي صاحب الشاطبي ثم موت خلفه الفخر ابن المالكي عن قريب من ولايته» «فوقعت المنافسة على هذا الكرسي بين أبي الفتح محمد بن علي الأنصاري الدمشقي أجل أصحاب السخاوي، والعلامة أبي شامة المقدسي صاحب السخاوي أيضا، إذ كان من شرط هذا المنصب أن يكون متوليه أعلم أهل البلد بالقراءات، فحضر الشيخان عند ولي الأمر، فقيل من ينصف بينهما، فوقع التعيين على الشيخ الإمام علم الدين القاسم اللورقي من شراح الشاطبية كما سياتي فحضر وقال: أنا أسألكما شيئا، فليكتب كل منكما عليه، فسألهما عن قول الشاطبي رحمه الله في باب وقف حمزة وهشام:
وفي غير هذا بين بين ومثله
يقول هشام ما تطرف مسهلا
قال: «فكتب عليه الشيخ أبو شامة ما يتعلق بالهمز في أصله وتقسيمه ومذاهب النحاة فيه وتعليل ذلك، ثم ما يتعلق بالبيت المذكور من اللغة والإعراب والمعاني والبيان والبديع والعروض والقوافي وغير ذلك.
وكتب عليه أبو الفتح ما يتعلق بالوقف على الهمز فقط، قال: فلما وقف الشيخ علم الدين القاسم اللورقي على كلاميهما قال عن أبي شامة: هذا إمام من أئمة المسلمين، وقال عن أبي الفتح: هذا مقرئ. قال:
وكان لولي الأمر ميل إلى أبي الفتح، فقال: ما المقصود إلا المقرئ، ثم
رسم بها لأبي الفتح، قال: فلما خرجوا خرج أبو شامة وهو ينفخ، وقال للشيخ علم الدين: يا شيخ ذبحتني، فقال: والله ما قصدت لك إلا خيرا، وما علمت أنهم إلى هذا الحد من الجهل في فهم كلامي» (1) .