غالبا من طرق أبي عمرو، غافلا عن أثر كتابه «التيسير» «واختصاره» الشاطبية وما كان لهما في الاستحواذ على الساحة استحواذا كليا حتى غلب على الناس في الغرب الإسلامي أيضا أن القراءة الصحيحة هي ما جاء من طريق أبي عمرو الداني، ومن ثم كان الإقبال على كتابه المذكور، ثم جاءت الشاطبية فزادت في دعم هذا الاتجاه إلى أن كان ما كان من هجر جمهور القراء شيئا فشيئا لباقي الطرق والروايات.
ولقد انتهى الأمر في عامة الجهات المغربية إلى أن هيمنت الشاطبية هيمنة مطلقة على الميدان، فلم يعد أحد يعرف القراءات السبع إلا من طرقها، بل أوجب المرتبون منهم لطريقة «جمع القراءات فيما يعرف بصناعة الأرداف على الآخذ للسبعة مراعاة الترتيب الذي سلكه الشاطبي في الحرز دون اخلال به [1] .
ثم ازداد الأمر تمكنا حين أنشئت للشاطبية أوقاف خاصة في بعض المدارس يعود ريعها لمدرسيها، وقد بدأ ذلك في أثناء المائة العاشرة بمدينة فاس، وفي ذلك يقول أبو العباس المنجور في سياق تعريفه بشيخه علي بن عيسى الراشدي: «كان يحسن علوم القرءان أداء ورسما وضبطا، ويلقي الكراريس» [2] وألفية ابن مالك ألقاء حسنا، ونفذ له تدريس الشاطبية الكبرى الذي أنشأ تحبيسه الشيخ الفقيه
(1) وهذا ما قرره صاحب القطعة الآتية في قوله:
وصنعة ارداف لأشياخ مغرب ... تقدم شيخا كان في الحرز أولا
وان يك في تقديمه طول ردفة ... فقدم عليه آخرا كان أسفلا الخ
(2) المراد بها المنظومات المعتمدة في القراءة كما تقدم كالدرر اللوامع والحصرية ومورد الظمآن وغيرها.