القراءة كما تقدم من ثلاثمائة طريق.
فإذا اعتبرنا مع هذه الطرق والروايات ما تضمنه الهادي لابن سفيان و «الهداية» للمهدوي و «التبصرة» لمكي و «تلخيص العبارات» لابن بليمة، و «العنوان» لأبي الطاهر العمراني، و «الروضة» للطلمنكي و «التجريد» لابن الفحام، و «القاصد» لأبي القاسم الأستاذ و «المفتاح» لأبي القاسم بن عبد الوهاب وسوى هذه الكتب مما قرأ به المتأخرون ممن رحل إلى المشرق من أصحاب الأئمة كأبي محمد بن سهل وابن المفرج وابن البياز ويحيى بن الخلوف الغرناطي وأبي الربيع بن سليمان الطنجي واليسع بن حزم الغافقي، إذا ضممنا هذا إلى بعضه أدركنا إلى أي حد بلغ الثراء بل الترف في المدرسة المغربية في حقل الرواية عن السبعة أو العشرة، الأمر الذي أمسى يشكل عند القراء المختصين ثقافة خاصة وعلما قائما بذاته أحوج إلى التأليف فيه، كما أحوج إلى الاستعانة عليه برواية فهارس الأئمة التي اهتموا فيها بضبط مشايخهم ورواياتهم عنهم وأسانيدهم فيها طلبا للضبط واحتياطا لوجوه التحمل من قراءة وسماع وعرض وإجازة ومناولة وغير ذلك.
إلا أن هذه الثقافة الزائدة قد أصبحت من جهة ثانية تشكل عقبة كؤودا في وجوه العاملين على ضبط التلاوة العامة على نمط واحد وهيئة أدائية ثابتة، لا سيما في القراءة «الرسمية» المعتمدة أعني قراءة نافع من رواية ورش وطريق أبي يعقوب الأزرق التي عليها الناس في الغرب الإسلامي تلاوة وتعليما وتعبدا.
ولقد تنبه إلى خطورة هذا الوضع على القراءة نفسها وعلى مستقبل علوم القرآن الأخرى بعض علماء العصر، ورأى أن صرف الاهتمام الكامل في هذا
الوجه كان يتم على حساب الجوهر واللباب، بحيث اشتغل سواد القراء بحروف القرآن عن معرفة حدوده والتفقه في أحكامه، وتمادى ذلك بهم حتى كادوا يجعلونه الوكد من حياتهم، وهو ما عبر عنه فقيه العصر يومئذ القاضي أبو بكر بن العربي المعافري الاشبيلي في قوله: