فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 248

ولقد تنبه إلى خطورة هذا الوضع على القراءة نفسها وعلى مستقبل علوم القرآن الأخرى بعض علماء العصر، ورأى أن صرف الاهتمام الكامل في هذا

الوجه كان يتم على حساب الجوهر واللباب، بحيث اشتغل سواد القراء بحروف القرآن عن معرفة حدوده والتفقه في أحكامه، وتمادى ذلك بهم حتى كادوا يجعلونه الوكد من حياتهم، وهو ما عبر عنه فقيه العصر يومئذ القاضي أبو بكر بن العربي المعافري الاشبيلي في قوله:

«ولما ظهرت الأموية على المغرب، وأرادت الانفراد عن العباسية وجدت المغرب على مذهب الأوزاعي فأقامت في قولها رسم السنة، وأخذت بمذهب أهل المدينة في فقههم وقراءتهم، وكانت أقرب من إليهم قراءة ورش فحملت روايته، وألزم الناس بالمغرب حرف نافع ومذهب مالك فجروا عليه وصاروا لا يتعدونه، وحمل حرف قالون إلى العراق فهو فيه أشهر من ورش ودخلت بعد ذلك الكتب، وتوطدت الدولة فأذن في سائر العلوم، وترامت الحال إلى أن كثرت الروايات في هذه القراءات، وعظم الاختلاف حتى انتهى في السبع إلى 1500رواية، وفي شاذ السبع إلى نحو 500رواية، وأكبّ الخلق على الحروف ليضبطوها فأهملوها، وليحصروها فأرسلوها إلى غير غاية، وأراد بعضهم أن يردها إلى الأصل، فقرأ بكل لغة وقال: لغة بنى فلان، وهذه لغة بني فلان» .

قال القاضي أبو بكر رضي الله عنه [1] : «وبعد أن ضبط الله الحروف والسور فلا تبالوا بهذه التكليفات، فإنها زيادات في التشغيب، وخالية من

(1) يعني نفسه، وهذه العبارة كثيرة الورود في كتبه، والغالب أنه كان يملي كتبه على أصحابه كما يشعر بذلك السياق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت