فلذلك ليس غريبًا أبدًا -لاسيما، والتَّشريع بعدُ لم يكن قد كمُلَ وتمَّ- ليس غريبًا أبدًا أنْ يهمَّ معاذ بن جبل بالسجود للنَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم؛ كإظهار لتبجيله واحترامه وتعظيمه؛ لكنَّ النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم الذي كان قرَّر في عقولهم وطبَعَهم على ذلك يريد أن يثبت عمليًا بأنَّه بشرٌ، وأنَّ هذا السجود لا يصلحُ إلا لربِّ البشر، ويقول: (( لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لأَحَدٍ، لأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا لِعِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا ) )، في بعض روايات الحديث: (( وَلَكِنْ لاَ يَصْلُحُ السُّجُودُ إلاَّ للهِ -عَزَّ وَجَلَّ- ) ).
إذن نحن لو استسلمنا لعواطفنا؛ لسجدنا لنبيِّنا صلَّى الله عليه وسلَّم سواء كان حيًّا أو ميِّتًا، لماذا؟ تعظيمًا له؛ لأنَّ القصد تعظيمه، وليس القصد عبادته عليه السلام؛ ولكن إذا كنَّا صادقين في حبِّه عليه الصَّلاة والسَّلام، فيجب أن نأتمر بأمره، وأن ننتهي بنهيه، وألا نضرب بالأمر والنهي عرض الحائط؛ بزعم أنَّه نحن نفعل ذلك حبًّا لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ كيف هذا؟!
هذا أولًا: عكسٌ للنَّصِّ القرآنيِّ، ثمَّ عكسٌ للمنطِقِ العقليِّ السَّليم؛ ربنا -عزَّ وجلَّ- يقول: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [1] .
فإذن اتباع الرَّسول عليه السلام هو الدليل الحقّ الصَّادق الذي لا دليل سواه على أن هذا المتَّبِع للرسول عليه السلام هو المحبُّ لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
ومن هنا قال الشاعر قوله المشهور:
تعصى الإله وأنت تظهر حبه .. هذا لعمرك في القياس بديع
لو كان حبك صادقًا لأطعته .. إن المحب لمن يحب مطيع
(1) [آل عمران: 31] .