= وثمة إشكال آخر يعانيه المشتغلون بمعالجة المخطوطات، ونعني به: إشكال المؤلفين المجهولين أي الذين لا توجد لهم تراجم في كتب الطبقات، فإن الذين يشتغلون بخدمة المخطوطات يقفون على مؤلفات لا يعرف لها مؤلف، ولا ذكر لها في المظان، أو على مؤلفات منسوبة إلى غير أصحابها، أو على مؤلفين غير معروفين، أو على ما يشبه هذه الحالات. وهم يحتاجون في مواجهة هذه الحالات إلى الصبر الطويل والبحث الدقيق والوقت الكثير
والمثابرة المستمرة، وهي صفات من شأنها أن تقود إلى الظفر بالمطلوب إن شاء الله = [1] .
ويعبّر محمود محمد الطناحي رحمه الله وإيانا عن الإحساس العميق بالمتعة الفريدة التي يجدها المشتغل بالمخطوطات في قوله: = وهي متعة لا يعرفها إلا عاشق المخطوطات، المدلّه بحبها، فأيّ سنى يلمع في عينيك وأنت ترى توقيع ابن الجوزي بخطه، بصحة سماع عليه، أو خط ابن خلكان بتملك؟ بل ايّ نور يغشاك وأنت تقرأ لتلميذ وهو يقول: إنه قرأ هذه النسخة على مؤلفها بالبيت الحرام تجاه الكعبة المعظمة، ثم يؤرخ لذلك بسنة 639؟
فتكاد تكتحل بذلك التراب الذي ينبعث من تلك الأوراق، لأنه تراب أربع وسبعين وسبعمائة سنة! وأيّ شذا يسري في أوصالك حين تقلّب أوراقا كتبها ابن حجر العسقلاني، فتلامس أنفاسك أنفاسه = [2] .
اللهم لقد صدق!! ولو أنهم علموا ما نحسّ فيه من متعة ماتعة في العمل فيها وما يتملكنا من مسرّة غامرة في فهرستها، ومن حبور دافق في فكّ معمياتها، ومن شغف عارم بها يغمر جوارحنا، لقارعونا عليها بالحراب، وحسبنا وفاء لتراثنا بل ولأمتنا، أننا نحب ملء جوارحنا ما يمقتون، ونكبر ما يزدرون، فإنه من جهل شيئا عاداه، والإنسان بطبيعته الإنسانية عدو لما يجهل، فلا حاضر لمن لا ماضي له، ولا خلق لمن لا وفاء له، وكم من أثر نفيس وقع بيد جاهل به فعفّى عليه، وكم من مخطوطة نادرة صنعت بطائن للكتب أو لتحشية تجليد أو طربوش، وهذا يذكرني بحكاية رواها لي أستاذي
(1) محمد بن شريفة، ظاهرة المخطوطات مجهولة المؤلف: المخطوطات التاريخية والجغرافية مثالا، في: دراسة المخطوطات الإسلامية بين اعتبارات المادة والبشر، مؤسسة الفرقان، 1417هـ / 1997، 30.
(2) انظر: مقدمة كتاب ذكر النسوة المتعبدات الصوفيات لأبي عبد الرحمن السلمي، تح محمود محمد الطناحي، مكتبة الخانجي، القاهرة 1413هـ / 1993، 76.