إنّ هذا الاحتراز الشديد من الكذب والتزوير أو التدليس والانقطاع بين الراوي والمروي عنه، وبين الشيخ وطالب الحديث، أو بكلمة أخرى: بين مصنف الكتاب وراويه، كان الدافع الأول لطلب الإجازة وتطلبها خشية أن يوصم الطالب بالتزييف والتزوير وخاصة إذا كان الكتاب المروي يختصّ بالحديث الشريف أو بعلوم القرآن، فإنّ نظام الإجازة الذي تطور عبر القرون من الإسناد وتوثيقه اتّخذ النظام نفسه بل والمصطلحات عينها في منح الإجازة.
فبعد أن زادت المصنفات الحديثية، وتبعتها مصنفات السيرة النبوية، والمغازي والمسانيد وكتب صحاح الآثار، ازداد تطلّب الناس لها من مصنفيها أو ممن رواها عن مصنفيها، فصارت هذه المصنفات تروى بالإسناد السماعي، فإذا ما روى راو كتابا عن مصنفه بحق سماعه أو بحق روايته أو بحق قراءته عليه، كان ذلك إجازة منه، لذلك روى عبيد الله بن عبد الرحمن الأشجعي المتوفى سنة 182هـ كتب الثوري على وجهها وروى عنه الجامع [1] ، فكان الرواة يحرصون على نقل أمثلة سماع شيوخهم من نسخ الشيوخ وسماعهم على نسخهم.
ومن هنا فإنّ أهمية الإجازة بضروبها المختلفة [2] في علم الاكتناه بما في ذلك كتب المشيخات والأثبات والبرامج، لا تكمن في كون الإجازة إحدى وسائل توثيق عزو الكتاب إلى مؤلفه أو توثيق نصه فحسب، بل إنّ أهميتها بالنسبة للمفهرس والمحقق تقع في ما يأتي:
1 -التدرّب على معرفة خطوط العلماء، فإنّ كثيرا من المخطوطات تحمل خطوطهم بإجازة رجال الطباق مثل: = صحيح هذا وكتب فلان = أو أن
(1) طبقات ابن سعد 7/ 328وسير أعلام النبلاء 8/ 452.
(2) أنواع الإجازات كما وردت عند ابن خير الإشبيلي وعند السمعاني، انظر: الإجازات وتطورها التاريخي 282.